الوافي - الفيض الكاشاني - الصفحة ٧٨ - باب الفرق بين الرسول و النبيّ و المحدّث
فيها بعض ما هو مثبت في اللوح الأعلى فيكون تارة عند المنام فيظهر به ما سيكون في المستقبل [١].
و تارة ينقشع الحجاب بلطف خفي من اللَّه فيلمع في القلب من وراء ستر الغيب شيء من غرائب أسرار الملكوت في اليقظة فربما يدوم و ربما يكون كالبرق الخاطف و دوامه في غاية الندور فلم يفارق الإلهام و حديث الملك الاكتساب في العلم و لا في محله و لا في سببه و لكن يفارقه في طريقه زوال الحجاب و جهته و لم يفارق الوحي الإلهام و الحديث في شيء من ذلك بل في شدة الوضوح و النورية و مشاهدة الملك المفيد للعلم و الكل مشتركة في أنها بواسطة الملك الذي هو القلم كما قال عز و جلعَلَّمَ بِالْقَلَمِ [٢] و لعل الإشارة إلى هذه المراتب الثلاث في قوله سبحانهوَ ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا [٣].
قال بعض العلماء السر في اطلاع النبي على الملك الموحي دون غيره أنه لما صقل روحه بصقالة العقل للعبودية التامة و زالت عنه غشاوة الطبيعة و رين المعصية بالكلية و كانت نفسه قدسية شديدة القوى قوية الإنارة لما تحتها لم يشغلها جهة فوقها عن جهة تحتها فتضبط الطرفين و تسع الجانبين و لا يستغرقها حسها الباطن عن حسها الظاهر فإذا توجهت إلى الأفق الأعلى و تلقت أنوار المعلومات بلا تعليم بشري من اللَّه يتعدى تأثيرها إلى قواها و تتمثل صورة ما تشاهده لروحها البشري و منها إلى ظاهر الكون فتمثل للحواس الظاهرة سيما السمع و البصر لكونهما أشرف الحواس الظاهرة و ألطفها فيرى شخصا محسوسا و يسمع كلاما منظوما في غاية الجودة و الفصاحة أو يرى صحيفة مكتوبة.
فالشخص هو الملك النازل الحامل للوحي الإلهي و الكلام هو كلام اللَّه و الكتاب كتابه و قد نزل كل منها من عالم الأمر القولي القضائي و ذاته الحقيقة
[١] . و تمام ارتفاع الحجاب يكون بالموت و به ينكشف الغطاء و تارة ينقشع ... كذا في «عش».
[٢] . العلق/ ٤.
[٣] . الشورى/ ٥١.