الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤٣ - كان المكتفي يراسله في الغناء
قال الأصمعيّ و اجتاز ابن سريج بطويس و معه فتية من قريش و هو يغنّيهم في هذا/ الصوت، فوقف حتى سمعه، ثم أقبل عليهم فقال: هذا و اللّه سيّد من غنّاه.
هذه الأصوات التي ذكرتها الجامعة للنّغم العشر و الثماني النّغم [١] منها هي المشهورة المعروفة عند الرّواة و في روايات الرّواة و عند المغنّين.
كان عبيد اللّه يراسل المعتضد على لسان جواريه:
و كان عبيد اللّه بن عبد اللّه بن طاهر يراسل المعتضد باللّه إذا استزار جواريه على ألسنتهم و مع ذوي الأنس عنده من رسله: مع أحمد بن الطّيّب و ثابت بن قرّة/ الطائي، يذكر النّغم و تفصيل مجاريها و معانيها حتى فهم ذلك.
فصنع لحنا فجمع النّغم العشر في قول دريد بن الصّمّة:
يا ليتني فيها جذع
أخبّ فيها و أضع
كان المكتفي يراسله في الغناء:
و صنع صنعة متقنة جيّدة، منها ما سمعناه من المحسنين و المحسنات و منها ما لم نسمعه، يكون مبلغها نحو خمسين صوتا. و قد ذكرت من ذلك ما صلح في أغاني الخلفاء. ثم صنع مثل ذلك للمكتفي [٢] باللّه لرغبته في هذه الصناعة.
فوجدت رقعة بخطه كتب بها إلى المكتفي نسختها: «قال إسحاق بن إبراهيم حين صاغ عند أبي العبّاس عبد اللّه بن طاهر بأمره لحنه في:
يوم تبدي لنا قتيلة عن جي
د تليع [٣] تزينه الأطواق
و شتيت كالأقحوان جلاه الطّل فيه عذوبة و اتّساق إني نظرت مع إبراهيم و تصفّحت غناء العرب كلّه، فلم نجد في جميع غناء العرب صوتا أطول إيقاعا من:
عادك الهمّ ليلة الإيجاف [٤]
من غزال مخضّب الأطراف
و لحنه خفيف ثقيل لابن محرز؛ فإن إيقاعه ستة و خمسون دورا. ثم لحن معبد:
هريرة ودّعها و إن لام لائم
غداة غد أم أنت للبين واجم
و هو أحد سبعته [٥]. و لحنه خفيف ثقيل، و دور إيقاعه ستّة و خمسون دورا، إلا أن صوت ابن محرز سداسيّ في العروض من الخفيف، و صوت معبد ثماني من الطويل؛ فصوت ابن محرز أعجب لأنه أقصر. و ما زلنا حتى تهيّأ لنا شعر رباعيّ في سيّدنا أمير المؤمنين أطال اللّه بقاءه، دور إيقاعه ستّة و خمسون دورا، و هو يجمع من النّغم/ العشر ثمانيا؛ و هذا ظريف جدّا بديع لم يكن مثله. و أمّا الصوت الذي في تهنئة النّوروز فلأنفسنا عملناه؛ إذ لم يكن لنا من
[١] في الأصول: «الثماني نغم» بدون أداة التعريف في المضاف إليه.
[٢] في الأصول: «بالمكتفي» و هو تحريف.
[٣] تليع: طويل.
[٤] الإيجاف: سرعة السير.
[٥] أي أحد أصواته السبعة و هي مدنه المعروفة. و في الأصول: «أحد سبعاته».