الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٤ - لقي عزة في طريقه إلى مصر و تعاتبا
خرج كثيّر في الحاجّ بجمل له يبيعه، فمرّ بسكينة بنت الحسين و معها عزّة و هو لا يعرفها. فقالت سكينة: هذا كثيّر فسوموه بالجمل، فساموه فاستام مائتي درهم فقالت: ضع عنّا فأبى. فدعت له بتمر و زبد فأكل، ثم قالت له:
ضع عنا كذا و كذا (لشيء يسير) فأبى. فقالوا: قد أكلت يا كثيّر بأكثر مما نسألك! فقال:
/ ما أنا بواضع شيئا. فقالت سكينة: اكشفوا، فكشفوا عنها و عن عزّة. فلما رآهما استحيا و انصرف و هو يقول: هو لكم هو لكم!.
قال بعض الرواة إنه لم يكن صادقا في عشقه:
من ذكر أن كثيّرا كان يكذب في عشقه:
أخبرنا أبو خليفة قال حدّثنا ابن سلّام قال:
كان كثيّر مدّعيا و لم يكن عاشقا، و كان جميل صادق الصّبابة و العشق.
أخبرنا أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ و حبيب بن نصر المهلّبيّ قالا حدّثنا عمر بن شبّة قال [١] زعم إسحاق بن إبراهيم أنه سمع أبا عبيدة يقول: كان جميل يصدق في حبه، و كان كثيّر يكذب.
و مما وجدناه في أخباره و لم نسمعه من أحد أنه نظر إلى عزّة ذات يوم و هي منتقبة تميس في مشيتها، فلم يعرفها كثيّر، فاتّبعها و قال: يا سيّدتي! قفي حتّى أكلّمك فإني لم أر مثلك قطّ، فمن أنت ويحك؟ قالت: ويحك! و هل تركت عزّة فيك بقيّة لأحد؟ قال: بأبي أنت! و اللّه لو أنّ عزّة أمة لي لوهبتها لك.
قالت: فهل لك في المخاللة؟ قال: و كيف لي بذلك؟ قالت: أنّي و كيف بما قلت في عزّة؟! قال: أقلبه فأحوّله إليك. فسفرت عن وجهها ثم قالت: أ غدرا يا فاسق و إنك لهكذا! فأبلس [٢] و لم ينطق و بهت. فلما مضت أنشأ يقول:
ألا ليتني قبل الذي قلت شيب لي
من السمّ جدحات [٣] بماء الذّرارح
فمتّ و لم تعلم عليّ خيانة
و كم طالب للريح ليس برابح
/ أبوء بذنبي إنني قد ظلمتها
و إني بباقي سرّها غير بائح
لقي عزة في طريقه إلى مصر و تعاتبا:
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ قال حدّثني عمر بن شبّة قال زعم ابن الكلبيّ عن أبي المقوّم قال أخبرني سائب راوية كثيّر قال:
خرجت معه نريد مصر، فمررنا بالماء الذي فيه عزّة فإذا هي في خباء، فسلّمنا جميعا، فقالت عزة: و عليك السلام يا سائب. ثم أقبلت على كثيّر فقالت: ويحك! أ لا تتّقي اللّه! أ رأيت قولك:
بآية ما أتيتك أمّ عمرو
فقمت لحاجتي و البيت خالي
[١] في ج: «زعم لي إسحاق بن إبراهيم ... إلخ».
[٢] أبلس: سكت و تحير.
[٣] في ب، س: «بخضخاض». و في سائر الأصول: «بخدخاد». و التصويب عن «تجريد الأغاني». و الجدحة اللتة؛ يقال: جدح السويق: إذالته. و الذرارح: دويبات أعظم من الذباب شيئا مجزعة مبرقشة بحمرة و سواد و صفرة لها أجنحة تطير بها و هي سم قاتل.