الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٣٠ - قصة ما كان بينه و بين ابن أبي بكر بن حزم حين أنشده من شعر حسان في المسجد
و حدراء هذه هي التي ذكرها الفرزدق في أشعاره. و من ذلك قوله:
صوت
عزفت بأعشاش [١] و ما كدت تعزف
و أنكرت من حدراء ما كنت تعرف
و لجّ بك الهجران حتى كأنّما
ترى الموت في البيت الذي كنت تألف [٢]
عروضه من الطويل. عزفت عن الشيء انصرفت عنه، عزف يعزف عزوفا. الشعر للفرزدق. و الغناء لسلسل، ثاني ثقيل بالوسطى. و فيه لحن للغريض من الثّقيل الأوّل بالبنصر من رواية حبش.
قصة ما كان بينه و بين ابن أبي بكر بن حزم حين أنشده من شعر حسان في المسجد:
أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش و محمد بن العباس اليزيديّ قالا حدّثنا أبو سعيد السّكّريّ قال حدّثنا محمد بن حبيب و أبو غسّان دماذ عن أبي عبيدة قال قال اليربوعيّ:
قال إبراهيم بن محمد بن سعد بن أبي وقّاص الزّهريّ: قدم الفرزدق المدينة في إمارة أبان بن عثمان. قال:
فإني و الفرزدق و كثيّرا لجلوس في المسجد نتناشد الأشعار، إذ طلع علينا غلام شخت [٣] آدم في ثوبين ممصّرين (أي مصبوغين بصفرة غير شديدة) ثم قصد نحونا حتى جاء إلينا فلم يسلّم، فقال: أيّكم الفرزدق؟ فقلت مخافة أن يكون من قريش: أ هكذا تقول لسيّد العرب و شاعرها! فقال: لو كان كذلك لم أقل هذا له. فقال له الفرزدق: و من أنت لا أمّ لك؟! قال: رجل من بني الأنصار ثم من بني النّجّار ثم أنا ابن أبي بكر بن حزم. بلغني أنك تزعم أنك أشعر العرب و تزعم مضر ذلك لك، و قد قال صاحبنا حسّان شعرا فأردت أن أعرضه عليك و أؤجّلك سنة؛ فإن قلت مثله فأنت أشعر العرب و إلا فأنت كذّاب منتحل.
ثم أنشده قول حسّان:
لنا الجفنات الغرّ يلمعن بالضّحى
و أسيافنا يقطرن من نجدة دما
متى ما تزرنا من معدّ عصابة
و غسّان نمنع حوضنا أن يهدّما
- قيل إن قوله: «و غسان» هاهنا قسم أقسم به، لأن غسّان لم تكن تغزوهم مع معدّ-
أبى فعلنا المعروف أن ننطق الخنا
و قائلنا بالعرف إلّا تكلّما
ولدنا بني العنقاء و ابني محرّق
فأكرم بنا خالا و أكرم بنا ابنما
/ فأنشده القصيدة إلى آخرها و قال له: إني قد أجّلتك فيها حولا، ثم انصرف. و انصرف الفرزدق مغضبا يسحب رداءه ما يدري أيّ طريق يسلك، حتى خرج من المسجد. قال: فأقبل كثيّر عليّ فقال: قاتل اللّه الأنصاريّ! ما أفصح لهجته، و أوضح حجّته، و أجود شعره!. قال: فلم نزل في حديث الفرزدق و الأنصاريّ بقيّة يومنا. حتى إذا كان الغد خرجت من منزلي إلى مجلسي الذي كنت فيه بالأمس؛ و أتاني كثيّر فجلس معي. فإنّا لنتذاكر الفرزدق و نقول: ليت
[١] أعشاش: موضع في بلاد بني تميم لبني يربوع بن حنظلة.
[٢] في «النقائض»: «الذي كنت تيلف» و هي لغة تميم.
[٣] الشخت: الدقيق الضامر أصلا لا هزالا.