الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٠٦ - جفا يزيد المهلبي لاختصاصه بالمتوكل ثم عفا عنه و أكرمه
قال: و كان أبي يستجيد هذين البيتين و يستحسنهما. و نذكرها هنا شيئا من أخبار المنتصر في هذا المعنى دون غيره أسوة ما فعلنا في نظرائه.
أراد الشرب علانية فجاء الناس ليروه فقال شعرا فتفرقوا:
أخبرني محمد بن يحيى الصّوليّ قال حدّثني محمد بن يحيى بن أبي عبّاد قال حدّثني أبي قال:
أراد المنتصر أن يشرب في الزّقاق، فوافى الناس من كل وجه ليروه و يخدموه؛ فوقف على شاطئ دجلة و أقبل على الناس فقال:
لعمري لقد أصحرت خيلنا
بأكناف دجلة للملعب
و الشعر «بأكناف دجلة للمصعب» و لكنّه غيّره لأنه تطيّر من ذكر المصعب-
فمن يك منّا يبت آمنا
و من يك من غيرنا يهرب
قال: فعلم أنه يريد الخلوة بالنّدماء و المغنّين، فانصرفوا، فلم يبق معه إلّا من يصلح للأنس و الخدمة.
جفا يزيد المهلبي لاختصاصه بالمتوكل ثم عفا عنه و أكرمه:
حدّثني الصّوليّ قال حدّثني أحمد بن يزيد المهلّبيّ قال: كان أبي أخصّ الناس بالمنتصر، و كان يجالسه قبل مجالسته المتوكّل. فدخل المتوكّل يوما على المنتصر على غفلة، فسمع كلامه فاستحسنه، فأخذه إليه و جعله في جلسائه. و كان المنتصر يريد منه أن يلازمه كما كان، فلم يقدر على ذلك لملازمته أباه؛ فعتب عليه لتأخّره عنه على ثقة بمودّة و أنس به. فلما أفضت إليه الخلافة استأذن عليه؛ فحجبه و أمر بأن يعتقل في الدار فحبس أكثر يومه. ثم أذن له فدخل و سلّم و قبّل الأرض بين يديه ثم قبّل يده، فأمره بالجلوس؛ ثم التفت إلى بنان بن عمرو و قال له: غنّ، و كان العود في يده:
غدرت و لم أغدر و خنت و لم أخن
و رمت بديلا بي و لم أتبدّل
- قال: و الشعر للمنتصر- فغنّاه بنان. و علم أبي أنه أراده بذلك فقام فقال: و اللّه ما اخترت/ خدمة غيرك و لا صرت إليها إلّا بعد إذنك. فقال: صدقت؛ إنما قلت هذا مازحا؛ أ تراني أتجاوز بك حكم اللّه عزّ و جلّ إذ يقول: وَ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَ لكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَ كانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً. ثم استأذنه في الإنشاد فأذن له فأنشده:
ألا يا قوم قد برح الخفاء
و بان الصبر منّي و العزاء
تعجّب صاحبي لضياع مثلي
و ليس لداء محروم دواء
جفاني سيّد قد كان برّا
و لم أذنب فما هذا الجفاء
حللت بداره و علمت أنّي
بدار لا يخيب بها الرجاء
فلمّا شاب رأسي في ذراه
حجبت بعقب ما بعد اللّقاء [١]
فإن [٢] تنأى ستور الإذن عنّا
فما نأت المحبّة و الثناء
[١] كذا في أ. و في سائر الأصول: «ما يعد الرخاء» و هو تحريف.
[٢] في ح: «تثني».