الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٨٦ - يوم الصمان بينهم و بين أبناء عمومتهم
شرّكم و لا حربكم، و لا يحلّ لكم دمه، و إنّ قومه أحرّ من يقاتلكم و شوكتهم؛ فخذوا عليه العهد أن يصرفهم عنكم و خلّوا سبيله. قالوا: افعل ما رأيت. فأتاه نهشل بن حرّيّ فقال له: يا أبا أسماء، إنّ قومك قد حالوا بيننا و بين حقّنا و قاتلوا دونه، و قد أمكننا اللّه منك، و أنت و اللّه أوفى دما عندنا من بني رميلة، فو اللّه لأقتلنّك أو تعطيني ما أسألك.
قال: سل. قال: تجعل أن تصرف بني جرول جميعا، فإن لم يطيعوك انصرفت ببني أشيم، فإن لم يطيعوك أتيتنا.
قال نعم. فخلّي سبيله/ تحت الليل. فأتاهم و هم بحيث يرى بعضهم بعضا فقال: يا بني جرول انصرفوا؛ أ تعترضون على قوم يريدون حقّهم! أ لا تتّقون اللّه! و اللّه لقد أسرني القوم و لو أرادوا قتلي لكان/ فيه وفاء بحقّهم، و لكنّهم يكرهون حربكم فلا تبغوا عليهم. فانصرف منهم أكثر من سبعين رجلا. فلما رأى ذلك بنو صخر و بنو جرول قالوا: و اللّه إنا لنظلم [١] قومنا إن قاتلناهم؛ و انصرفوا، و تخاذل القوم. فلما رأى ذلك الأشهب بن رميلة قال:
ويلكم! أ في ضربة من عصا لم تصنع شيئا تسفكون دماءكم! و اللّه ما به من بأس، فأعطوا قومكم حقّهم. فقال حجناء و رباب: و اللّه لننصرفنّ فلنلحقنّ بغيركم و لا نعطي ما بأيدينا. فجعل الأشهب بن رميلة يقول: ويلكم! اتخرّبون دار قومكم في ضربة عصا لم تبلغ شيئا!. فلم يزل بهم حتى جاءوا برباب فدفعوه إلى بني قطن، و أخذوا منهم أبا بدّال و هو المضروب فمات في تلك الليلة في أيديهم؛ فكتموه، و أرسلوا إلى عبّاد بن مسعود، و مالك بن ربعيّ، و مالك بن عوف، و القعقاع بن معبد، فعرضوا عليهم الدّية. فقالوا: و ما الدّية و صاحبنا حيّ! قالوا: فإن صاحبكم ليس بحيّ. فأمسكوا و قالوا: ننظر. ثم جاءوا إلى رباب فقالوا: أوصنا بما بدا لك. قال: دعوني أصلّي. قالوا:
صلّ. فصلّى ركعتين ثم قال: أما و اللّه إنّي إلى ربّي لذو حاجة، و ما منعني أن أزيد في صلاتي إلا أن تروا أن ذلك فرق من الموت، فليضربني منكم رجل شديد السّاعد حديد السيف. فدفعوه إلى أبي خزيمة بن نسير المكنيّ بأبي بدّال فضرب عنقه، فدفنوه؛ و ذلك في الفتنة بعد مقتل عثمان بن عفّان. فقال الأشهب يرثي أخاه و يلوم نفسه في دفعه إليهم لتسكن الحرب:
أ عينيّ قلّت عبرة من أخيكما
بأن تسهرا ليل التّمام و تجزعا
و باكية تبكي الرّباب و قائل
جزى اللّه خيرا ما أعفّ و أمنعا
و أضرب في الهيجا إذا حمس الوغى
و أطعم إذ أمسى المراضيع جوّعا
/ إذا ما اعترضنا من أخينا أخاهم
روينا و لم نشف الغليل فينقعا
قرونا دما و الضّيف منتظر القرى
و دعوة داع قد دعانا فأسمعا
مردنا [٢] و كانت هفوة من حلومنا
بثدي إلى أولاد ضمرة أقطعا
و قد لامني قومي و نفسي تلومني
بما فال رأيي في رباب و ضيّعا
-
إنا بني نهشل لا ندّعي لأب
عنه و لا هو بالأبناء يشرينا
إن تبتدر غاية يوما لمكرمة
تلق السوابق منا و المصلينا
(انظر ترجمته في «الشعر و الشعراء» ص ٤٠٤- ٤٠٥).
[١] في أ، م: «لنضيع».
[٢] مرد الصبي ثدي أمه: مرسه.