الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٢٨ - طلاقه لبنى ثم ندمه على فراقها، و شعره في ذلك
صوت
ألا يا غراب البين هل أنت مخبري
بخير كما خبّرت بالنأي و الشرّ
و قلت كذاك الدهر ما زال فاجعا
صدقت و هل شيء بباق على الدهر
غنّى فيهما ابن جامع ثاني ثقيل بالبنصر عن الهشاميّ. و ذكر حبش أنّ لقفا النجّار فيهما ثقيلا أوّل بالوسطى. قالوا:
فلما ارتحل قومها اتّبعها مليا، ثم علم أن أباها سيمنعه من المسير معها، فوقف ينظر إليهم و يبكي حتى غابوا عن عينه فكرّ راجعا. و نظر إلى أثر خفّ بعيرها فأكبّ عليه يقبّله و رجع يقبّل موضع مجلسها و أثر قدمها. فليم على ذلك و عنّفه قومه على تقبيل التراب؛ فقال:
و ما أحببت أرضكم و لكن
أقبّل إثر من وطئ التّرابا
لقد لاقيت من كلفي بلبنى
بلاء ما أسيغ به الشّرابا
إذا نادى المنادي باسم لبنى
عييت فما أطيق له جوابا
/ و قال و قد نظر إلى آثارها:
صوت
/
ألا يا ربع لبنى ما تقول
أبن لي اليوم ما فعل الحلول
فلو أن الديار تجيب صبّا
لردّ جوابي الرّبع المحيل
و لو أنّي قدرت غداة قالت
غدرت [١] و ماء مقلتها يسيل
نحرت النفس حين سمعت منها
مقالتها و ذاك لها قليل
شفيت غليل نفسي من فعالي
و لم أغبر بلا عقل أجول
غنّى فيه حسين بن محرز خفيف ثقيل من روايتي بذل و قريض. و تمام هذه الأبيات:
كأنّي واله بفراق لبنى
تهيم بفقد واحدها ثكول
ألا يا قلب ويحك كن جليدا
فقد رحلت و فات بها الذّميل [٢]
فإنك لا تطيق رجوع لبنى
إذا رحلت و إن كثر العويل
و كم قد عشت كم بالقرب منها
و لكنّ الفراق هو السبيل
فصبرا كلّ مؤتلفين يوما
من الأيام عيشهما يزول
قال: فلما جنّ عليه الليل و انفرد و أوى إلى مضجعه لم يأخذه القرار و جعل يتململ فيه تململ السليم، ثم وثب حتى أتى موضع خبائها، فجعل يتمرّغ فيه و يبكي و يقول:
[١] كذا في «تجريد الأغاني»: و في ب، س: «و درت» و هو تحريف. و قد سقط هذا البيت من سائر الأصول.
[٢] الذميل: السير اللين.