الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١١٧ - لطيفة الأعرابي على مائدة عبد الملك بن مروان بسبب بيت له
المهلب و الشعراء:
قال الخرّاز: و مثل هذا ما حدّثناه المدائنيّ عن ابن دأب أن رجلا لقي المهلّب فنحر ناقته في وجهه؛ فتطيّر من ذلك و قال له: ما قصّتك؟ فقال:
إني نذرت لئن لقيتك سالما
أن تستمرّ بها شفار الجازر
فقال المهلّب: فأطعمونا من كبد هذه المظلومة، و وصله.
قال المدائنيّ: و لقيته امرأة من الأزد و قد قدم من حرب كان نهض إليها، فقالت: أيها الأمير، إني نذرت إن وافيتك سالما أن أقبّل يدك و أصوم يوما/ و تهب لي جارية صغديّة [١] و ثلاثمائة درهم. فضحك المهلّب و قال: قد و فينا لك بنذرك فلا تعاودي مثله، فليس كل أحد يفي لك به.
المهدي و أبو دلامة:
و أخبرني الحسن قال حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد قال حدّثني بعض أصحابنا عن القحذميّ: أن أبا دلامة لقي المهديّ لمّا قدم بغداد، فقال له:
إني نذرت لئن رأيتك واردا
أرض العراق و أنت ذو وفر
لتصلّينّ على النبيّ محمد
و لتملأنّ دراهما حجري
فقال له: أمّا النبيّ فصلّى اللّه على النّبيّ محمد و آله و سلّم، و أمّا الدراهم فلا سبيل إليها. فقال له: أنت أكرم من أن تعطيني أسهلهما عليك و تمنعني الأخرى. فضحك و أمر له بما سأل. و هذا مما ليس يجري في هذا الباب و لكن يذكر الشيء بمثله.
لطيفة الأعرابي على مائدة عبد الملك بن مروان بسبب بيت له:
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ قال حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد قال حدّثنا مسعود بن عيسى العبديّ قال حدّثني أحمد بن طالب الكناني (كنانة تغلب)، و أخبرني به محمد بن أحمد بن الطّلّاس عن الخرّاز عن المدائنيّ لم يتجاوزه به قال:
نصب عبد الملك بن مروان الموائد يطعم الناس؛ فجلس رجل من أهل العراق على بعض تلك الموائد. فنظر إليه خادم لعبد الملك فأنكره، فقال له: أ عراقيّ أنت؟ قال: نعم. قال: أنت جاسوس؟ قال: لا. قال: بلى. قال:
ويحك! دعني أتهنّأ بزاد أمير المؤمنين و لا تنغّصني به. ثم إن عبد الملك وقف على تلك المائدة فقال من القائل:
/
إذا الأرطى [٢] توسّد أبرديه
خدود جوازئ بالرّمل عين
[١] صغدية: نسبة إلى الصغد و هي كورة قصبتها سمرقند.
[٢] قال البغدادي نقلا عن ابن قتيبة: الأرطى: شجر من أشجار البادية تدبغ به الجلود. و هو مفعول لفعل محذوف أي إذا توسد الأرطى.
و أبرديه بدل اشتمال من الأرطى. و معنى توسد أبرديه: اتخذهما كالوسادة. و الأبردان: الظل و الفيء، سميا بذلك لبردهما، و أبردان أيضا: الغداة و العشي. و خدود فاعل توسد. و الجوازئ: الظباء و بقر الوحش، سميت جوازئ لأنها اجتزأت بأكل النبت الأخضر عن الماء. قال في «اللسان» في مادة جزأ: الظباء لا تعني في هذا البيت كما ذهب إليه ابن قتيبة؛ لأن الظباء لا تجزأ بالكلإ عن الماء، و إنما عني البقر. و يقوي ذلك أنه قال عين، و العين من صفات البقر لا من صفات الظباء. و العين. الواسعات العيون،