الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٢٧ - أتاه بعض أصحابه فأطعمهم و غناهم ألحانا له
صوت
و نبّئت ليلى أرسلت بشفاعة
إليّ فهلّا نفس [١] ليلى شفيعها
- و لحنه ثاني ثقيل- فقال له إسحاق: أحسنت و اللّه يا أبا الحسن! أحسنت ما شئت!. فقام علّويه من مجلسه فقبّل رأس إسحاق و عينيه و جلس بين يديه و سرّ بقوله سرورا شديدا، ثم قال: أنت سيدي و ابن سيّدي، و أستاذي و ابن أستاذي، و لي إليك حاجة. قال: قل، فو اللّه إني أبلغ فيها ما تحبّ. قال: أيّما أفضل عندك/ أنا أو مخارق؟
فإني أحبّ أن أسمع منك في هذا المعنى قولا يؤثر و يحكيه عنك من حضر، فتشرّفني [٢] به. فقال إسحاق: ما منكم إلّا محسن مجمل، فلا ترد أن ترى في هذا شيئا. قال: سألتك بحقّي عليك و بتربية أبيك و بكلّ حقّ تعظّمه إلّا حكمت. فقال: ويحك! و اللّه لو كنت أستجيز أن أقول غير الحق لقلته فيما تحبّ، فأمّا إذا أبيت إلّا ما ذكرت فهاك ما عندي: فلو خيّرت أنا من يطارح جواريّ أو يغنّيني لما اخترت غيرك، و لكنّما إذا غنّيتما بين يدي خليفة أو أمير غلبك على إطرابه و استبدّ عليك بجائزته. فغضب علّويه و قام و قال: أفّ من رضاك و من غضبك!.
شاع له صوت كان الناس يظنونه لإسحاق:
حدّثني جعفر بن قدامة قال حدّثني عليّ بن يحيى المنجّم قال:
قدمت من سرّ من رأى قدمة إلى بغداد،/ فلقيت أبا محمد إسحاق بن إبراهيم الموصليّ، فجعل يسألني عن أخبار الخليفة و أخبار الناس حتّى انتهى إلى ذكر الغناء، فقال: أيّ شيء رأيت الناس يستحسونه في هذه الأيّام من الأغاني، فإنّ الناس ربما لهجوا بالصوت بعد الصوت؟ فقلت: صوتا من صنعتك. فقال: أيّ شيء هو؟ فقلت:
صوت
ألا يا حمامي قصر دوران [٣] هجتما
بقلبي الهوى لمّا تغنّيتما ليا
و أبكيتماني وسط صحبي و لم أكن
أبالي دموع العين لو كنت خاليا
فضحك و قال: ليس هذا لي، هذا لعلويه، و لقد لعمري أحسن فيه و جوّد ما شاء.
لحن علّويه في هذين البيتين ثاني ثقيل بالوسطى.
أتاه بعض أصحابه فأطعمهم و غناهم ألحانا له:
حدّثني عمّي قال حدّثنا عبد اللّه بن عمرو قال حدّثني أحمد بن محمد بن عبد اللّه الأبزاريّ قال:
أتيت علّويه يوما بالعشيّ، فوجدت عنده خاقان بن حامد و عبد اللّه بن صالح صاحب المصلّى، و كنت حملت
[١] هلا التي للتحضيض يليها الفعل؛ و لذلك تأوّل النحويون هذا البيت، فقيل هو على تقدير «كان» التي اسمها ضمير الشأن، و جملة «نفس ليلى شفيعها» خبرها. و قيل: «نفس ليلى» فاعل لفعل محذوف، و التقدير فهلا شفعت نفس ليلى، و يكون شفيعها خبرا لمحذوف، و التقدير: هي شفيعها أي نفسها شفيعها. على أن بعض النحويين يجيز مجيء الجمل الاسمية بعد أدوات التحضيض مستدلا بهذا البيت.
[٢] في «ب، س»: «فشرفني به».
[٣] دوران: موضع خلف جسر الكوفة كان به قصر لإسماعيل القسري أخي خالد بن عبد اللّه القسري أمير الكوفة. (عن «معجم البلدان» لياقوت).