الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٠ - حديث حسان عنه حين وفد على النعمان
حديث حسان عنه حين وفد على النعمان:
أخبرني الحسين بن عليّ قال حدّثنا أحمد بن الحارث الخرّاز عن المدائنيّ، و أخبرني ببعضه أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ قال حدّثني عمر بن شبّة عن أبي بكر الهذليّ قال:
/ قال حسّان بن ثابت: قدمت على النّعمان بن المنذر و قد امتدحته، فأتيت حاجبه عصام بن شهبر فجلست إليه، فقال: إنّي لأرى عربيا، أ فمن الحجاز أنت؟ قلت نعم. قال: فكن قحطانيّا. فقلت: فأنا قحطانيّ. قال: فكن يثربيا.
قلت: فأنا يثربيّ. قال: فكن خزرجيا. قلت: فأنا خزرجيّ. قال: فكن حسّان بن ثابت. قلت: فأنا هو. قال: أ جئت بمدحة الملك؟ قلت نعم. قال: فإني أرشدك: إذا دخلت إليه فإنه يسألك عن جبلة بن الأيهم و يسبّه، فإيّاك أن تساعده على ذلك، و لكن أمرّ ذكره إمرارا لا توافق فيه و لا تخالف، و قل: ما دخول مثلي أيّها الملك بينك و بين جبلة و هو منك و أنت منه!. و إن دعاك إلى الطعام فلا تؤاكله، فإن أقسم عليك فأصب منه اليسير إصابة بارّ قسمه متشرّف بمؤاكلته لا أكل جائع سغب، و لا تطل محادثته، و لا تبدأه بإخبار عن شيء حتى يكون هو السائل لك، و لا تطل الإقامة في مجلسه. فقلت: أحسن اللّه رفدك! قد أوصيت واعيا. و دخل ثم خرج إليّ فقال لي: ادخل. فدخلت فسلّمت و حيّيت تحيّة الملوك. فجاراني من أمر جبلة ما قاله عصام كأنه/ كان حاضرا، و أجبت بما أمرني، ثم استأذنته في الإنشاد فأذن لي فأنشدته. ثم دعا بالطعام، ففعلت ما أمرني عصام به، و بالشراب ففعلت مثل ذلك. فأمر لي بجائزة سنيّة و خرجت.
فقال لي عصام: بقيت عليّ واحدة لم أوصك بها، قد بلغني أنّ النابغة الذّبيانيّ قدم [١] عليه، و إذا قدم فليس لأحد منه حظّ سواه، فاستأذن حينئذ و انصرف مكرّما خير من أن تنصرف مجفوا، فأقمت ببابه شهرا. ثم قدم عليه الفزاريّان و كان بينهما و بين النعمان دخلل (أي خاصّة) و كان معهما النابغة قد استجار بهما/ و سألهما مسألة النعمان أن يرضى عنه.
فضرب عليهما قبّة من أدم، و لم يشعر بأنّ النابغة معهما. و دسّ النابغة قينة تغنّيه بشعره:
يا دار ميّة بالعلياء فالسّند
فلمّا سمع الشعر قال: أقسم باللّه إنه لشعر النابغة! و سأل عنه فأخبر أنه مع الفزاريّين، فكلّماه فيه فأمنه.
و قال أبو زيد عمر بن شبّة في خبره: لمّا صار معهما إلى النعمان كان يرسل إليهما بطيب و ألطاف مع قينة من إمائه، فكانا يأمرانها أن تبدأ بالنابغة قبلهما. فذكرت ذلك للنّعمان، فعلم أنّه النابغة. ثم ألقى عليها شعره هذا و سألها أن تغنّيه به إذا أخذت فيه الخمر، ففعلت فأطربته، فقال: هذا شعر علويّ [٢]، هذا شعر النابغة!. قال: ثم خرج في غبّ سماء، فعارضه الفزاريّان و النابغة بينهما قد خضب بحنّاء فقنأ [٣] خضابه. فلما رآه النّعمان قال: هي بدم كانت أحرى أن تخضب. فقال الفزاريّان: أبيت اللّعن! لا تثريب [٤]، قد أجرناه، و العفو أجمل. فأمّنه و استنشده أشعاره. فعند ذلك قال حسّان بن ثابت: فحسدته على ثلاث لا أدري على أيتهن كنت له أشدّ حسدا:
على إدناء النّعمان له بعد المباعدة و مسامرته [٥] له و إصغائه إليه، أم على جودة شعره، أم على مائة بعير من
[١] لعله «قادم عليه».
[٢] علوي (بالضم): نسبة إلى العالية على غير القياس، و هي ما فوق نجد إلى أرض تهامة إلى ما وراء مكة و قرى بظاهر المدينة.
[٣] في «الأصول»: «فأفنأ». و التصويب من كتب اللغة. و قنوه الخضاب: اشتداد حمرته.
[٤] التثريب: اللوم و التعيير بالذنب و التذكير به.
[٥] في «ج»: «و مسايرته له».