الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢١٥ - لحقه ضيم فلم يمنعه قومه فهتف بمسمع بن مالك و آخرين فسعى له قومه
يهدّدني القعقاع في غير كنهه
فقلت له بكر إذا رمتني ترسي
كأنّا و إيّاكم إذا الحرب بيننا
أسود عليها الزّعفران مع الورس [١]
ترى كمصابيح الدّياجي وجوهنا
إذا ما لقينا و الهرقليّة [٢] الملس
هناك السّعود السانحات جرت لنا
و تجري لكم طير البوارح بالنّحس
و ما أنت يا قعقاع إلّا كمن مضى
كأنك يوما قد نقلت إلى الرّمس
أظنّ بغال البرد تسري إليكم
به غطفانيّا و إلّا فمن عبس
و إلّا فبالبسّال [٣] يا لك إن سرت
به غير مغموز القناة و لا نكس [٤]
فعمّالنا أوفى و خير بقيّة
و عمّالكم أهل الخيانة و اللّبس
و ما لبني عمرو عليّ هوادة
و لا للرّباب غير تعس من التّعس
/ قال: فلمّا انتهت هذه القصيدة إلى القعقاع وجّه برسول إلى أبي جلدة، و قال: انظر، فإن كان كتب هذا الكتاب بالغداة فاعزله، و إن كان كتبه باللّيل فأقرره على عمله و لا تعزله و لا تضربه. و كان أبو جلدة صاحب شراب، فقال للرسول: و اللّه ما كتبته إلّا بالعشيّ. فسأله البيّنة على ذلك فأتاه بأقوام شهدوا له بما قال، فأقرّه على عمله و انصرف عنه.
شبب ببنت دهقان فأهدى له ليترك ذكرها:
قال ابن حبيب: و مرّ أبو جلدة بقصر من قصور بست ينزله رجل من الدّهاقين، فرأى ابنته تشرف من أعلى القصر، فأنشأ يقول:
إنّ في القصر ذي الخبا بدر تمّ
حسن الدّلّ للفؤاد مصيبا
و لعا بالخلوق [٥] يأرج منه
ريح رند إذا استقلّ منيبا [٦]
يلبس الخزّ و المطارف و الق
زّ و عصبا من اليماني قشيبا
و رأيت الحبيب يبرز كفّا
ما رآه [٧] المحبّ إلّا خضيبا
فبلغ ذلك من قوله الدّهقان، فأهدى له و برّه و سأله ألّا يذكر ابنته في شعر بعد ذلك.
لحقه ضيم فلم يمنعه قومه فهتف بمسمع بن مالك و آخرين فسعى له قومه:
[١] الزعفران: صبغ أصفر. و الورس: نبت أصفر يكون باليمن تصبغ به الثياب.
[٢] دياجي الليل: حنادسه (ظلماته) كأنه جمع ديجاة. و الهرقلية: الدنانير، نسبة إلى هرقل ملك الروم.
[٣] كذا في «ب، س». و في «أ، م»: «و إلا فيا لستال». و في «ح»: هكذا: «و إلا بنا لتسال». و لم نهتد إلى وجه الصواب فيه.
[٤] غمز القناة: عصرها و تليينها. و إباء القناة أن تلين للغامز يراد به القوة و عدم الانقياد. و النكس: الضعيف.
[٥] الخلوق: ضرب من الطيب مائع فيه صفرة لأن أعظم أجزائه من الزعفران. يأرج: يفيح و ينتشر. و الرند: شجر طيب الرائحة، و قيل هو العود أو الآس.
[٦] استقل هنا: نهض. و منيبا: راجعا.
[٧] كذا في «الأصول». و تذكير «الكف» غلط أو لغة قليلة.