الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٢٣ - مر به مسمع بن مالك فوثب إليه و قال فيه شعرا
فلست بلاح لي نديما بزلّة
و لا هفوة كانت و نحن على الخمر
عركت بجنبي قول خدني و صاحبي
و نحن على صهباء طيّبة النّشر [١]
/ فلمّا تمادى قلت خذها عريقة
فإنّك من قوم جحاجحة زهر
فما زلت أسقيه و أشرب مثل ما
سقيت أخي حتّى بدا وضح [٢] الفجر
و أيقنت أنّ السّكر طار بلبّه
فأغرق في شتمي و قال و ما يدري
و لاك لسانا كان إذ كان صاحيا
يقلّبه في كلّ فنّ من الشّعر
شعر له و قد دعا رجلا من قومه للشراب فأبى:
أخبرني محمد بن مزيد قال حدّثنا حمّاد بن إسحاق عن أبيه عن عاصم بن الحدثان قال:
كان أبو جلدة اليشكريّ قد خرج إلى تستر [٣] في بعث، فشرب بها في حانة مع رجل من قومه كان ساكنا بها.
ثم خرج عنها بعد ذلك و عاد إلى بست و الرّخج و كان مكتبه [٤] هناك، فأقام بها مدّة، ثمّ لقي بها ذلك الرجل الذي نادمه بتستر ذات يوم، فسلّم عليه و دعاه إلى منزله، فأكلا، ثم دعا بالشّراب ليشربا، فامتنع الرجل و قال: إنّي قد تركتها للّه. فقال أبو جلدة و هو يشرب:
ألا ربّ يوم لي ببست و ليلة
و لا مثل أيّامي المواضي بتستر
غنيت بها أسقي سلاف مدامة
كريم المحيّا من عرانين يشكر
نبادر شرب الراح حتّى نهرّها [٥]
و تتركنا مثل الصّريع المعفّر
فذلك دهر قد تولّى نعيمه
فأصبحت قد بدّلت طول التّوقّر
فراجعني حلمي و أصبحت [٦] منهج ال
شّراب و قد ما كنت كالمتحيّر
و كل أوان [٧] الحق أبصرت قصده
فلست و إن نبّهت عنه بمقصر
/ سأركض في التّقوى و في العلم بعد ما
ركضت إلى أمر الغويّ المشهّر
و باللّه حولي و احتيالي و قوّتي
و من عنده عرفي الكثير و منكري
مر به مسمع بن مالك فوثب إليه و قال فيه شعرا:
أخبرني محمد بن العبّاس اليزيديّ قال حدّثنا محمد بن الحارث المدائنيّ قال: مرّ مسمع بن مالك بأبي جلدة،
[١] يقال: عركت ذنبه بجنبي إذا احتملته. و الخدن: الصديق. و النشر: الرئحة.
[٢] كذا في كتاب «الشعر و الشعراء». و وضح الفجر: بياض الصبح. و في «الأصول»: «واضح الفجر».
[٣] تستر: مدينة بخوزستان.
[٤] لعله: «و كان مكثه هناك» كما تقدّم نظيره في صفحة ٣١٣ سطر ١٢.
[٥] هرّه: كرهه.
[٦] كذا!. و لعله صوابه «منهج السبيل» أي أصبحت واضحا طريقي الذي أسلكه و قد كنت قديما كالمتحير؛ يقال نهج الطريق و أنهج إذا وضح و بان.
[٧] في «الأصول الخطية»: «و قل أوان الحق». و لم نوفق للصواب فيه.