الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١١٧ - الجعد بن مهجع يذكر لعمر سبب عشقه و مسعى عمر في زواجه من عشقها
/
نطعنهم سلكى و مخلوجة
كرّك لأمين على نابل [١]
فقلت: إنك قد تعبت و أتعبت، فلو نزلت! فثنى رجله فنزل فشدّ فرسه بغصن من أغصان الشجرة و ألقى رمحه و أقبل حتى جلس، فجعل يحدّثني حديثا ذكرت به قول أبي ذؤيب:
و إنّ حديثا منك لو تبذلينه
جنى النّحل في ألبان عوذ مطافل [٢]
فقمت إلى فرسي فأصلحت من أمره ثم رجعت، و قد حسر العمامة عن رأسه، فإذا غلام كأنّ وجهه الدينار المنقوش. فقلت: سبحانك اللّهمّ! ما أعظم قدرتك و أحسن صنعتك!/ فقال: ممّ ذاك؟ قلت: مما راعني من جمالك و بهرني من نورك. قال: و ما الذي يروعك من حبيس التّراب، و أكيل الدوابّ، ثم لا يدري أ ينعم بعد ذلك أم يبأس. قلت: لا يصنع اللّه بك إلّا خيرا. ثم تحدّثنا ساعة، فأقبل عليّ و قال: ما هذا الذي أرى قد سمعت في سرجك؟ قلت: شراب أهداه إليّ بعض أهلك، فهل لك فيه من أرب؟ قال: أنت و ذاك. فأتيته به، فشرب/ منه و جعل ينكت أحيانا بالسّوط على ثناياه، فجعل و اللّه يتبيّن لي ظلّ السوط فيهن. فقلت: مهلا فإني خائف أن تكسرهنّ، فقال: و لم؟ قلت: لأنهن رقاق و هنّ عذاب. قال: رفع عقيرته يتغنّى:
إذا قبّل الإنسان آخر يشتهي
ثناياه لم يأثم و كان له أجرا
فإن زاد زاد اللّه في حسناته
مثاقيل يمحو اللّه عنه بها الوزرا
ثم قام إلى فرسه فأصلح من أمره ثم رجع. قال: فبرقت لي بارقة تحت الدّرع. فإذا ثدي كأنه حقّ عاج. فقلت:
نشدتك اللّه امرأة؟ قالت: إي و اللّه إلّا أنّي أكره العشير و أحبّ الغزل. ثم جلست فجعلت تشرب معي ما أفقد من أنسها شيئا حتى نظرت إلى عينيها كأنّهما عينا مهاة مذعورة. فو اللّه ما راعني إلّا ميلها على الدوحة سكرى. فزيّن لي و اللّه الغدر و حسن في عيني، ثم إنّ اللّه عصمني منه، فجلست حجرة منها. فما لبثت إلّا يسيرا حتى انتبهت فزعة، فلاثت عمامتها برأسها، و جالت في متن فرسها، و قالت: جزاك اللّه عن الصّحبة خيرا. قلت: أ و ما تزوّدينني منك زادا؟ فناولتني يدها، فقبّلتها فشممت و اللّه منها ريح المسك المفتوت، فذكرت قول الشاعر:
كأنها إذ تقضّى النوم و انتبهت
سحابة ما لها عين و لا أثر
قلت: و أين الموعد؟ قالت: إنّ لي إخوة شرسا و أبا غيورا. و و اللّه لأن أسرّك أحبّ إليّ من أن أضرّك، ثم انصرفت.
فجعلت أتبعها بصري حتى غابت، فهي و اللّه يا ابن ربيعة أحلّتني هذا المحلّ و أبلغتني. فقلت له: يا أبا المسهر إنّ الغدر بك مع ما تذكر لمليح. فبكى و اشتدّ/ بكاؤه. فقلت: لا تبك؛ فما قلت لك ما قلت إلا مازحا، و لو لم أبلغ
[١] البيت لامرئ القيس. و السلكى: الطعنة المستقيمة تلقاء الوجه. و المخلوجة: الطعنة المعوجة عن يمين و شمال. و اللام: السهم عليه ريش لؤام. و اللؤام من الريش: ما يلائم بعضه بعضا، و هو ما كان بطن القذة منه يلي ظهر الأخرى، و هو أجود ما يكون. فإذا التقى بطنان أو ظهران فهو لغاب و لغب. و النابل: صاحب النبل. يصف الطعن بأنه كان يذهب فيهم و يرجع سريعا كما تردّ سهمين على رام رمى بهما. و قيل سئل امرؤ القيس و هو يشرب مع علقمة بن عبدة عن معنى قوله «كرك لأمين» فقال: مررت بنابل و صاحبه يناوله الريش لؤاما و ظهرا، فما رأيت أسرع منه فشبهت به. و قال القتيبي: إنما هو «كر كلامين» أي تكرير كلام بمعنى قول القائل للرامي: إرم إرم، أي ليس بين الطعن و الطعن إلا بمقدار ارم ارم. و قال زيد بن كندة: يريد أن يطعن طعنتين مختلفتين و يوالي بينهما كما يوالي هذا القائل بين هاتين الكلمتين. (راجع «لسان العرب» في الموادّ خلج و سلك و لأم، و شرح «ديوان امرئ القيس» للوزير أبي بكر عاصم بن أيوب).
[٢] عوذ، جمع عائذ و هي الحديثة النتاج إلى خمسة عشر يوما أو نحوها ثم هي بعد ذلك مطفل.