الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٤ - مدح عمرو بن الحارث الأصغر الغساني و أخاه النعمان
و ناصب [١]: متعب. و بطيء الكواكب أي قد طال حتى إن كواكبه لا تجري و لا تغور. أراح: ردّ. يقال أراح الرجل إبله أي ردّها. فيقول: ردّ هذا الليل إليّ ما عزب من همّي بالنهار؛ لأنه يتعلّل نهارا بمحادثة النّاس و التشاغل بغير الفكر، فإذا خلا بالليل راح إليه همّه. و تقاعس تأخّر؛ و أصل التقاعس الرجوع إلى خلف القهقري، فشبّه اللّيل في طوله بالمتقاعس. و الذي يهدي النّجوم أوّلها، شبهها بهواديها [٢]. و قوله «ليست بذات عقارب» أي لا يكدّرها و لا يمنّها.
/ و مما يغنّى فيه هذه القصيدة:
حلفت يمينا غير ذي مثنويّة [٣]
و لا علم إلّا حسن ظنّي [٤] بصاحب
لئن كان للقبرين قبر بجلّق [٥]
و قبر بصيداء الذي عن حارب
و للحارث [٦] الجفنيّ سيّد قومه
ليلتمسن بالجيش دار المحارب
- غنّاه إسحاق خفيف ثقيل أوّل بالبنصر على مذهبه من رواية عمرو بن بانة عنه و من رواية/ حبش. و غنّاه ابن سريج ثاني ثقيل بالبنصر. يقول: ليس لي علم بما يكون من صاحبي إلا أنّي أحسن الظنّ به. و قوله: «لئن كان للقبرين» يعني لئن كان عمرو ابنا للمدفونين في هذين القبرين، يعني قبر أبيه و جدّه و هما الحارث الأكبر و الحارث الأعرج، ليلتمسنّ جيشه دار المحارب له؛ يحرّضه بذلك و يروي «أرض المحارب»-
و لا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم
بهنّ فلول [٧] من قراع الكتائب
إذا استنزلوا [٨] عنهنّ للطعن أرقلوا
إلى الموت إرقال الجمال المصاعب
[١] أي فناصب بمعنى منصب من النّصب (بالتحريك) و هو التعب جيء به على طرح الزوائد. و حمله سيبويه على النّسب أي ذو نصب، كما يقال، طريق خائف أي ذو خوف. و قال أبو عمرو: همّ ناصب من قولك نصب به الهم أي حل. و قال ابن الأعرابي: نصب له الهم إذا كان لا يفارقه. (راجع «خزانة الأدب البغدادي» ج ١ ص ٣٧٠، و شروح «ديوان» النابغة).
[٢] في هذه الجملة غموض، قد يرجع إلى سهو النّساخ عن بعض الكلام. و معنى «و ليس الذي يهدي النّجوم بآئب»، كما في شروح «الديوان»، أن الذي يهدي النّجوم ما يتقدّمها؛ إذ هادي كل شيء ما يتقدّمه. فقيل المراد به أوّل النّجوم، و معنى كونه غير آئب: غير راجع إلى مسقطه و مغيبه. و قيل المراد بهادي النّجوم الشمس لأنها تتقدّم النّجوم في المغيب، و معنى كونها غير آئبة: غير راجعة إلى مشرقها؛ فكأنه ليل لا نهار بعده. و يروى: «و ليس الذي يرعى النّجوم ...».
[٣] غير ذي مثنوية: حال من فاعل حلفت أي لم أستثن فيها.
[٤] رواية «ديوان» النابغة و شروحه: «إلا حسن ظن» بتنكير الظن.
[٥] جلق (بكسر الجيم و تشديد اللام مكسورة أو مفتوحة): موضع بالشام، و قيل: هو اسم مدينة دمشق نفسها، و قيل: اسم لكورة الغوطة كلها، و قيل موضع بقرية من قرى دمشق. و صيداء: مدينة على ساحل بحر الشام شرقي صور بينهما ستة فراسخ. و حارب: موضع.
[٦] الحارث الجفني: هو الحارث بن أبي شمر الجفني الغساني.
[٧] فلول: ثلوم. و القراع: المجالدة، يقال: قارعه مقارعة و قراعا. و الكتيبة: الجيش أو القطعة منه. و هذا الضرب من الاستثناء يسميه أصحاب البديع تأكيد المدح بما يشبه الذم، و مثله:
فتى كملت أخلاقه غير أنه
جواد فما يبقى من المال باقيا
[٨] الضمير في «عنهن» للخيل في قوله:
على عارفات للطعان عوابس
و هو وارد في «الديوان» قبل هذا البيت مباشرة.