الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٢٢ - عربد عليه ابن عم له فاحتمله و قال شعرا
إنّ أبا جلدة من سكره
لا يعرف الحقّ من الباطل
يزداد غيّا و انهماكا و لا
يسمع قول الناصح العاذل
أعيا أبوه و بنو عمّه
و كان في الذّروة من وائل
فليته لم يك من يشكر
فبئس خدن الرجل العاقل
أعمى عن الحقّ بصير بما
يعرفه كلّ فتى جاهل
يصبح سكران و يمسي كما
أصبح، لا أسقي من الوابل
شدّ ركاب الغيّ ثم اغتدى
إلى التي تجلب من بابل
فالسّجن إن عاش له منزل
و السّجن دار العاجز الخامل
شعر له يناقض به قتادة بن معرب:
و قال أبو جلدة يجيبه:
قبحت لو كنت امرأ صالحا
تعرف ما الحقّ من الباطل
كففت عن شتمي بلا إحنة
و لم تورّط كفّة [١] الحابل
لكن أبت نفسك فعل النّهى
و الحزم و النّجدة و النائل
فتحت لي بالشّتم حتى بدا
مكنون غشّ في الحشا داخل
فاجهد و قل لا تترك جاهدا
شتم امرئ ذي نجدة عاقل
/ تعذلني في قهوة مزّة
درياقة تجلب من بابل
و لو رآها خرّ من حبّها
يسجد للشيطان بالباطل
يا شرّ بكر كلّها محتدا
و نهزة المختلس الآكل
عرضك وفّره و دعني و ما
أهواه يا أحمق من باقل [٢]
عربد عليه ابن عم له فاحتمله و قال شعرا:
قال ابن حبيب: كان أبو جلدة يشرب مع ابن عمّ له من بكر بن وائل، فسكر نديمه فعربد عليه و شتمه، فاحتمله أبو جلدة و سقاه حتّى نام، و قال في ذلك:
أبى لي أن ألحى نديمي إذا انتشى
و قال كلاما سيّئا لي على السّكر
و قاري و علمي بالشّراب و أهله
و ما نادم القوم الكرام كذي الحجر [٣]
[١] كفة الحابل: حبالته التي يصيد بها. و هي منصوبة على نزع الخافض، أو على تضمين تورط معنى فعل متعد.
[٢] المعروف في المثل أنه يقال «أعيا من باقل». و هو رجل من إياد، و قيل من ربيعة، بلغ من عيه أنه اشترى ظبيا بأحد عشر درهما، فمر بقوم فقالوا له: بكم اشتريت الظبي؟ فمد يديه و دلع لسانه يريد أحد عشر، فشرد الظبي و كان تحت إبطه، فضرب بعيه المثل.
[٣] ذو الحجر: ذو العقل.