الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٥٤ - رثاء زهير بن جذيمة لابنه شأس
أدراجه [١] و عدا أثر الراحلة حتى أتى ضفّة [٢] فاحتفر تحتها مثل مكان الأرنب فولج فيه، ثم أخذ نعليه فجعل إحداهما على سرّته و الأخرى على صفنه [٣] ثم شدّ عليهما العمامة، و مضى صاحبه حتى لقي القوم، فسألوه فحدّثهم و قال: هذه غنيّ كاملة و قد دنوت منهم، فصدّقوه و خلّوا سربه [٤]. فلما ولّى رأوا مركب الرجل خلفه،/ فقالوا: من الذي كان خلفك/ فقال: لا مكذبة! ذلك رياح في الأول من السّمرات. فقال الحصينان لمن معهما: قفوا علينا حتى نعلم علمه فقد أمكننا اللّه من ثأرنا، و لم يريدا أن يشركهما فيه أحد، فمضيا و وقف القوم عنهما. قالوا قال رياح: فإذا هما ينقلان فرسيهما، فما زالا يريغاني، فابتدراني فرميت الأوّل فبترت صلبه، و طعنني الآخر قبل أن أرميه و أراد السّرّة فأصاب الرّبلة [٥]، و مرّ الفرس يهوي به، فاستدبرته بسهم فرشقت به صلبه فانفقر منحنى الأوصال، و قد بترت صلبيهما. قال أبو عبيدة قال أبو حيّة: بل قال رياح: استدبرته بسهم و قد خرجت قدمه فقطعتها، فكأنما نشرت بمنشار. قال عبد الحميد: و ندّ فرساهما فلحقا [٦] بالقوم. قال رياح: فأخذت رمحيهما فخرجت بهما حتى أتيت رملة فسندت فغرزت الرمحين فيها ثم انحدرت. قال: و طلبه القوم، حتى إذا رفع لهم الرمحان لم يقربوهما علم اللّه حتى وجدوا أثر رياح خارجا قد فات. و انطلق رياح خارجا حتى ورد ردهة عليها بيت أنمار بن بغيض و فيه امرأة و لها ابنان قريبان منها و جمل لها راتع في الجبل، و قد مات رياح عطشا. فلمّا رأته يستدمي طمعت فيه و رجت أن يأتيها ابناها، فقالت له: استأسر. فقال لها: دعيني ويحك أشرب، فأبت. فأخذ حديدة إمّا سكّينا و إمّا مشقصا فجذم به رواهشها [٧] فماتت، و عبّ في الماء حتى نهل [٨] ثم توجّه إلى قومه. فقال رياح فيها و في الحصينين:
قالت لي استأسر لتكتفني
حينا و يعلو قولها قولي
و لأنت أجرأ من أسامة [٩] أو
منّي غداة وقفت للخيل
/ إذ الحصين لدى الحصين كما
عدل الرّجازة جانب الميل
قال الأثرم: الرّجازة شيء يكون مع المرأة في هودجها، فإذا مال أحد الجانبين وضعته في الناحية الأخرى ليعتدل. قال أبو عبيدة: يعني حصين بن زهير بن جذيمة، و حصين بن أسيد بن جذيمة و هو ابن عمه.
قال أبو عبيدة قال عبد الحميد: و اللّه لقد سمعت هذا الحديث على ما حدثتك به منذ ستين سنة قال عبد الحميد: و ما سمعت أنّ بني عبس أدركوا بواحد منهم و لا اقتادوا و لا أنذروا، و لا سمعت فيه من الشعر لنا و لا لغيرنا في الجاهليّة بأكثر مما أنشدتك. و إلى هذا انتهى حديثنا و حديثه، و لا و اللّه ما قتل خالد بن جعفر زهير بن جذيمة في حربنا، غير أنّ الكميت بن زيد الأسديّ، و كانت له أمّان من غنيّ، ذكر من مقتل
[١] الأدراج: الطرق.
[٢] الضفة: جانب النهر و الوادي.
[٣] الصفن (بالتحريك و بالفتح): وعاء الخصبة.
[٤] السرب (بالفتح و هو الأرجح، و قال أبو عمرو بالكسر): الطريق.
[٥] الربلة (بالفتح و بالتحريك و هو الأفصح): باطن الفخذ.
[٦] في «الأصول»: «فلحقنا».
[٧] الرواهش: العصب الذي في ظاهر الذراع، و قيل: هي عصب و عروق في باطن الذراع، واحدها راهشة و راهش.
[٨] نهل هنا: روى.
[٩] أسامة: اسم علم للأسد.