الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٨ - كان أثيرا عند النعمان فدخل على زوجته المتجردة فوصفها
أخبرني أحمد قال حدّثنا عمر قال عمرو بن المنتشر المراديّ:
وفدنا على عبد الملك بن مروان فدخلنا عليه، فقام رجل فاعتذر من أمر و حلف عليه. فقال له عبد الملك: ما كنت حريّا أن تفعل و لا تعتذر. ثم أقبل على أهل الشأم فقال: أيّكم يروي من اعتذار النابغة إلى النّعمان:
حلفت فلم أترك لنفسك ريبة
و ليس وراء اللّه للمرء مذهب
فلم يجد فيهم من يرويه؛ فأقبل عليّ فقال: أ ترويه؟ قلت نعم! فأنشدته القصيدة كلّها؛ فقال: هذا أشعر العرب.
سئل حماد بم تقدّم النابغة فأجاب:
أخبرنا حبيب بن نصر و أحمد بن عبد العزيز قالا حدّثنا عمر بن شبّة قال:
قال معاوية بن بكر الباهليّ قلت لحمّاد الراوية: بم تقدّم النابغة؟ قال: باكتفائك بالبيت الواحد من شعره، لا بل بنصف بيت، لا بل بربع بيت، مثل قوله:
/
حلفت فلم أترك لنفسك ريبة
و ليس وراء اللّه للمرء مذهب
[كلّ نصف يغنيك عن صاحبه، و قوله: «أيّ الرجال المهذّب» ربع بيت يغنيك عن غيره [١]].
و هذه القصيدة العينيّة [٢] يقولها في النّعمان بن المنذر يعتذر إليه بها و بعدّة قصائد قالها فيه تذكر في مواضعها.
و لقد اختلفت الرّواة في السبب الذي دعاه إلى ذلك.
كان أثيرا عند النعمان فدخل على زوجته المتجردة فوصفها:
فأخبرني حبيب بن نصر المهلّبيّ و أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ قالا حدّثنا عمر بن شبّة عن أبي/ عبيدة و غيره من علمائهم:
انّ النابغة كان كبيرا [٣] عند النّعمان خاصّا به و كان من ندمائه و أهل أنسه؛ فرأى زوجته المتجرّدة يوما و غشيها تشبيها [٤] بالفجاءة، فسقط نصيفها و استترت بيدها و ذراعها، فكادت ذراعها تستر وجهها لعبالتها و غلظها؛ فقال قصيدته التي أوّلها:
أ من آل ميّة رائح [٥] أو مغتدي
عجلان ذا زاد و غير مزوّد
زعم البوارح أنّ رحلتنا غدا
و بذاك تنعاب الغراب الأسود
لا مرحبا بغد و لا غير أنّ ركابنا
لمّا تزل برحالنا و كأن قد
في إثر غانية رمتك بسهمها
فأصاب قلبك غير أن لم تقصد [٦]
[١] التكملة عن «شرح الديوان» للوزير أبي بكر عاصم بن أيوب البطليوسي.
[٢] هي قصيدته التي مطلعها:
عفا ذو حسا من فرتني فالفوارع
فجنبا أريك فالقلاع الدوافع
[٣] في «ج» أ، «كثيرا». و لعل صوابه: «كان أثيرا عند النعمان ... إلخ».
[٤] لعله «شبيها بالفجاءة» أي غشيها غشيانا شبيها بالمفاجأة.
[٥] رائح: خبر لمحذوف، و التقدير: أ من آل مية أنت رائح، كما قال الأصمعي.
[٦] تقصد: تقتل؛ يقال: أقصد الشيء إذا ضربه أو رماه فمات مكانه.