الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٨٢ - سمع الرشيد من يتغنى بشعر له في توبته من الخمر فأعجب به
قال: فضحك القوم و قالوا: سبحان اللّه! أيّ شيء تقول؟ فقال: اسمه و نسبه أعظم من أن أقدر على ذكرهما في يوم، فإن شئتم سميته اليوم و نسبته غدا، و إن شئتم نسبته اليوم و سمّيته غدا. قالوا: هات اسمه اليوم. فقال:
قريظة [١]. فقال رجل منهم: ينبغي أن يكون ابن يقظة. فقال الأقيشر: صدقت و اللّه و أصبت، و لقد أثقلني اسمه حين ذكرته أن أقول نعم. فبلغ قريظة [٢] قوله و كان شاعرا فقال:
لسانك من سكر ثقيل عن التّقى
و لكنّه بالمخزيات طليق
و أنت حقيق يا أقيشر أن ترى
كذاك إذا ما كنت غير مفيق
تسفّ من الصهباء صرفا تخالها
جنى النّحل يهديه إليك صديق
فبلغ الأقيشر قول المحاربيّ و كان يكنى أبا الذيّال، فأجابه فقال:
عدمت أبا الذيّال من ذي نوالة [٣]
له في بيوت العاهرات طريق
/ أبا الخمر عيّرت امرأ ليس مقلعا
و ذلك رأيي لو علمت وثيق
سأشربها ما دمت حيّا و إن أمت
ففي النّفس منها زفرة و شهيق
سمع الرشيد من يتغنى بشعر له في توبته من الخمر فأعجب به:
أخبرني إسماعيل بن يونس الشّيعيّ قال حدّثنا عمر بن شبّة قال:
بلغني أنّ الرشيد سمع ليلة رجلا يغنّي:
إن كانت الخمر قد عزّت و قد منعت
و حال من دونها الإسلام و الحرج
فقد أباكرها صرفا و أشربها
أشفي بها غلّتي صرفا و أمتزج [٤]
و قد تقوم على رأسي مغنّية
لها إذا رجّعت في صوتها غنج
و ترفع الصوت أحيانا و تخفضه
كما يطنّ ذباب الرّوضة الهزج
قال: فوجّه في أثر الصوت من جاءه بالرجل و هو يرعد، فقال: لا ترع فإنّما أعجبني حسن صوتك. فقال: و اللّه يا أمير المؤمنين ما تغنّيت بهذا الشعر إلّا و أنا قد تبت من شرب النّبيذ، و هذا شعر يقوله الأقيشر في توبته من النّبيذ.
فقال له الرشيد: و ما حملك على تركه؟ قال: خشية اللّه. و إنّي فيه يا أمير المؤمنين كما قال زيد بن ظبيان:
جاءوا بقاقزّة [٥] صفراء مترعة
هل بين ذي كبرة و الخمر من نسب
- لم نجد «عقالا» في «معجمات اللغة» بمعنى اعتقال اللسان.
[١] في «ج» «قرظة».
[٢] في هذا البيت إقواء.
[٣] كذا في «الأصول»!.
[٤] في «ديوان أبي محجن» (نسخة مخطوطة بدار الكتب المصرية):
فقد أباكرها ريا و أشربها
صرفا و أطرب أحيانا فأمتزج
و قال شارحه: «أراد فقد باكرتها و شربتها صرفا و ربما طربت فمزجتها. و كان ينبغي أن يقول شربتها ممزوجة و ربما طربت فأصرفتها. و لما قاله وجه، و هو أنه إذا طرب مزجها لئلا تدخله في السكر. و جاء بلفظ المستقبل و هو يريد الماضي».
[٥] القاقزة: الصغيرة من القوارير (أي الكأس الصغيرة)، و يقال فيها «قاقوزة» و «قازوزة» فارسية معربة.