الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٧ - فضله الشعبي على الأخطل في مواجهته في مجلس عبد الملك
أجمعين، و ببابه وفد غطفان فقال: يا معشر غطفان، أيّ شعرائكم الذي يقول:
حلفت فلم أترك لنفسك ريبة
و ليس وراء اللّه للمرء مذهب
/ لئن كنت قد بلّغت عنّي خيانة
لمبلغك الواشي أغشّ و أكذب
و لست بمستبق أخا لا تلمّه
على شعث أيّ الرجال المهذّب
قالوا: النابغة يا أمير المؤمنين. قال: فأيّكم الذي يقول:
فإنك كاللّيل الذي هو مدركي
و إن خلت أن المنتأى عنك واسع
خطاطيف جحن في حبال متينة
تمدّ بها أيد إليك نوازع
قالوا: النابغة. قال: فأيّكم الذي يقول:
إلى اين محرّق أعملت نفسي
و راحلتي و قد هدت [١] العيون
أتيتك عاريا خلقا ثيابي
على خوف تظنّ بي الظّنون
فألفيت الأمانة لم تخنها
كذلك كان نوح لا يخون
قالوا: النابغة يا أمير المؤمنين. قال: هذا أشعر شعرائكم. قال: ثم أقبل على الأخطل فقال: أ تحبّ أنّ لك قياضا [٢] بشعرك شعر أحد من العرب أو [٣] تحبّ أنك قلته؟ قال: لا و اللّه يا أمير المؤمنين، إلّا أنّي وددت أن كنت قلت أبياتا قالها رجل منّا، كان و اللّه ما علمت مغدف [٤] القناع قليل السّماع قصير الذّراع. قال: و ما قال؟ فأنشد قصيدته:
إنّ محيّوك فاسلم أيّها الطّلل
و إن بليت و إن طالت بك الطّيل [٥]
ليس الجديد به [٦] تبقى بشاشته
إلا قليلا و لا ذو خلّة يصل
و العيش لا عيش إلّا ما تقرّ به
عين و لا حال إلّا سوف تنتقل
إن ترجعي من أبي عثمان منجحة [٧]
فقد يهون على المستنجح العمل
و الناس من يلق خيرا قائلون له
ما يشتهي و لأمّ المخطئ الهبل
قد يدرك المتأنّي بعض حاجته
و قد يكون مع المستعجل الزلل
حتى أتى على آخرها. قال الشعبيّ: فقلت: قد قال القطاميّ أفضل من هذا. قال: و ما قال؟ قلت قال:
[١] أصله «هدأت» بالهمز، فسهلت الهمزة ثم حذفت لالتقاء الساكنين.
[٢] كذا في «ج» و «أمالي السيد المرتضى». و في سائر الأصول: «نياطا» و هو تحريف.
[٣] كذا في «أمالي السيد المرتضى». و في الأصول: «أم تحب».
[٤] كذا في «أمالي السيد المرتضى». و قد وردت هذه الكلمة في «الأصول» محرفة؛ ففي بعضها: «مفرق القناع»، و في بعضها: «مغرف القناع». و إغداف القناع: إرساله على الوجه.
[٥] الطلل: ما شخص من آثار الديار. و الطيل: جمع طيلة و هي الدهر.
[٦] الضمير في «به» للدهر في بيت قبل هذا البيت و هو:
كانت منازل منا قد نحل بها
حتى تغير دهر خائن خبل
[٧] الخطاب لناقته. و منجحة: ظافرة. و المستنجح: طالب النجاح.