الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٣٦ - غنى المأمون لحنا في بيت لم يعرفه أحد ثم عرف بعد
إذا كان لي شيئان يا أمّ مالك
فإنّ لجاري منهما ما تخيّرا
فأخذته و ادّعيته و سترته طول أيّام الرشيد خوفا من أن أتّهم فيه و طول أيّام الأمين حتى حدث عليه ما حدث. و قدم المأمون من خراسان و كان يخرج إلى الشمّاسيّة [١] دائما يتنزّه، فركبت في زلّال [٢] و جئت أتبعه، فرأيت حرّاقة عليّ بن هشام، فقلت للملّاح: اطرح زلالي على الحرّاقة ففعل، و استؤذن لي فدخلت و هو يشرب مع الجواري- و ما كانوا يحجبون جواريهم في ذلك الوقت ما لم يلدن- فإذا بين يديه متيّم و بذل [من] جواريه، فغنّيته الصوت فاستحسنه جدّا و طرب عليه و قال: لمن هذا؟ فقلت: هذا صوت صنعته و أهديته لك، و لم يسمعه أحد قبلك، فازداد به/ عجبا و طربا و قال لها: خذيه [٣] عنه، فألقيته عليها حتى أخذته، فسرّ بذلك و طرب، و قال لي [٤]: ما أجد لك مكافأة على هذه الهديّة إلّا أن أتحوّل عن هذه الحرّاقة بما فيها و أسلّمه إليك أجمع. فتحوّل إلى أخرى، و سلّمت الحرّاقة بخزانتها و جميع آلاتها إليّ و كلّ شيء فيها، فبعت ذلك بمائة و خمسين ألف درهم و اشتريت بها ضيعتي الصالحيّة.
غنى المأمون لحنا في بيت لم يعرفه أحد ثم عرف بعد:
حدّثني جحظة قال حدّثني ابن المكيّ المرتجل عن أبيه قال قال [٥] إسحاق بن حميد كاتب أبي الرازيّ، و حدّثني به عمّي قال حدّثني عبد اللّه بن أبي سعد قال حدّثني حسّان بن محمد الحارثيّ عن إسحاق بن حميد كاتب أبي الرازيّ قال:
غنّى علّويه الأعسر يوما بين يدي المأمون [٦]
تخيّرت من نعمان عود أراكة
لهند فمن هذا يبلّغه هندا
فقال المأمون: اطلبوا لهذا البيت ثانيا فلم يعرف، و سأل كلّ من بحضرته من أهل الأدب و الرّواة و الجلساء عن قائل هذا الشعر فلم يعرفه أحد. فقال إسحاق بن حميد: لمّا رأيت ذلك عنيت بهذا الشعر و جهدت في المسألة و طلبته ببغداد عند كلّ متأدّب و ذي معرفة فلم يعرفه. و قلّد المأمون أبا الرازيّ كور دجلة و أنا أكتب له، ثم نقله إلى اليمامة و البحرين. قال إسحاق بن حميد: فلمّا خرجنا ركبت مع أبي الرازيّ في بعض اللّيالي [٧] على حمارة، فابتدأ الحادي يحدو بقصيدة طويلة، و إذا البيت الذي كنت أطلبه، فسألته عنها فذكر أنها للمرقّش الأكبر، فحفظت منها هذه الأبيات:
/
خليليّ عوجا بارك اللّه فيكما
و إن لم تكن هند لأرضكما قصدا
/ و قولا لها ليس الضّلال أجازنا
و لكنّنا جزنا لنلقاكم عمدا
[١] الشماسية هنا: من ضواحي بغداد.
[٢] الزلال: ضرب من الزوارق.
[٣] الخطاب لإحدى الجاريتين.
[٤] كذا في «نهاية الأرب». و في «الأصول»: «و قال ما لي ما أجد لك ...».
[٥] في «الأصول»: «كان» و هو تحريف.
[٦] زيد في «ج» هنا: «قال» و في «سائر الأصول»: «فقال». و ظاهر أنه لا مقتضى لهذه الكلمة هنا.
[٧] في «ج»: «... في بعض الليالي قبة على حمارة».