الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٧٧ - ذهب إلى عكرمة بن ربعي فلم يعطه فهجاه
فقال: لا أريدها جملة، و لكن مر القهرمان أن/ يعطيني في كلّ يوم ثلاثة دراهم حتى تنفد. فكان يأخذها منه، فيجعل درهما لطعامه، و درهما لشرابه، و درهما لدابّة تحمله إلى بيوت الخمّارين. فلمّا نفدت الدراهم أتاه الثانية فسأله فأعطاه و فعل مثل ذلك، و أتاه الثالثة فأعطاه و فعل مثل ذلك، و أتاه الرابعة فسأله. فقال له قيس: لا أبا لك! كأنّك قد جعلت هذا خراجا علينا. فانصرف و هو يقول:
أ لم تر قيس الأكمه ابن محمد
يقول و لا تلقاه للخير يفعل
رأيتك أعمى العين و القلب ممسكا
و ما خير أعمى العين و القلب يبخل
فلو صمّ تمّت لعنة اللّه كلّها
عليه و ما فيه من الشرّ أفضل
فقال قيس: لو نجا أحد من الأقيشر لنجوت منه.
كان سكران فحكموه في الصحابة فقال شعرا:
أخبرني أبو الحسن الأسديّ عن العنزيّ عن محمد بن معاوية قال:
اختصم قوم بالكوفة في أبي بكر و عمر و عثمان و عليّ، فقالوا: نجعل بيننا أوّل من يطلع علينا. فطلع الأقيشر عليهم و هو سكران. فقال بعضهم لبعض: انظروا من حكمنا. فقالوا: يا أبا معرض قد حكّمناك. قال: في ما ذا؟
فأخبروه. فمكث ساعة ثم أنشأ يقول:
إذا صلّيت خمسا كلّ يوم
فإنّ اللّه يغفر لي فسوقي
و لم أشرك بربّ الناس شيئا
فقد أمسكت بالحبل الوثيق
/ و هذا الحقّ ليس به خفاء
و دعني من بنيّات الطّريق [١]
أعطاه ابن رأس البغل مهر ابنة عم له فمدحه فاعترض عليه فأجابه:
قال محمد بن معاوية: و تزوّج الأقيشر ابنة عمّ له يقال لها الرّباب، على أربعة آلاف درهم، و يقال على عشرة آلاف درهم، فأتى قومه فسألهم فلم يعطوه شيئا؛ فأتى ابن رأس البغل و هو دهقان الصّين و كان مجوسيّا، فسأله فأعطاه الصّداق. فقال الأقيشر:
كفاني المجوسيّ مهر الرّباب
فدى للمجوسيّ خاليّ [٢] و عم
شهدت بأنّك رطب [٣] المشاش
و أنّ أباك الجواد الخصم
و أنّك سيّد أهل الجحيم
إذا ما تردّيت فيمن ظلم
تجاور قارون في قعرها
و فرعون و المكتنى بالحكم
ذهب إلى عكرمة بن ربعيّ فلم يعطه فهجاه:
[١] بنيات الطريق: الطرق الصغار المتشبعة من الطريق الأعظم. و يضرب بها المثل فيقال: «دع عنك بنيات الطريق» أي عليك بمعظم الأمر و دع الروغان. (عن كتاب ما يعول عليه في المضاف و المضاف إليه).
[٢] في «ج»: «خال و عم».
[٣] يقال: فلان لين المشاش إذا كان طيب النحيرة عفيفا عن الطمع. و يقال: فلان طيب المشاش إذا كان كريم النفس.