الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٧٢ - خروج الحارث إلى صديق من كندة
أخذ مصدق للنعمان إبلا لديهث فاستجارت بالحارث فردها إليها:
قال: فأمّنه النعمان، و أقام حينا. ثم إنّ مصدّقا للنّعمان أخذ إبلا لامرأة من بني مرّة يقال لها ديهث؛ فأتت الحارث فعلّقت دلوها بدلوه و معها بنيّ لها، فقالت: أبا ليلى! إني أتيتك مضافة [١]. فقال الحارث: إذا أورد القوم النّعم فنادي بأعلى صوتك:
دعوت باللّه و لم تراعي
ذلك راعيك فنعم الرّاعي [٢]
و تلك ذود الحارث الكساع [٣]
يمشي لها بصارم قطّاع
يشفي به [٤] مجامع الصّداع
و خرج الحارث في أثرها يقول:
أنا أبو ليلى و سيفي المعلوب [٥]
كم قد أجرنا من حريب محروب
و كم رددنا من سليب مسلوب
و طعنة طعنتها بالمنصوب
ذاك جهيز الموت عند المكروب
ثم قال لها: لا تردنّ عليك ناقة و لا بعير تعرفينه إلا أخذتيه ففعلت؛ فأتت على لقوح لها يحلبها حبشيّ، فقالت: يا أبا ليلى! هذه لي. فقال الحبشيّ: كذبت. فقال الحارث: أرسلها لا أمّ لك! فضرط الحبشيّ. فقال الحارث: «است الحالب أعلم»، فسارت مثلا. قال أبو عبيدة: ففي ذلك يقول في الإسلام الفرزدق:
كما كان أوفى إذ ينادي ابن ديهث
و صرمته [٦] كالمغنم المتنهّب
فقام أبو ليلى إليه ابن ظالم
و كان متى ما يسلل السّيف يضرب
و ما كان جارا غير دلو تعلّقت
بحبلين في مستحصد [٧] القدّ مكرب
خروج الحارث إلى صديق من كندة:
قال أبو عبيدة حدّثني أبو محمد عصام العجليّ قال: فلمّا قتل الحارث بن ظالم خالد بن جعفر في جوار الملك خرج هاربا حتى أتى صديقا له من كندة يحلّ شعبي- قال: شعبي غير ممدود- فلمّا ألحّ الأسود [٨] في طلب
[١] مضافة: ملجأة.
[٢] في «الأصول»:
ذلك داعيك فنعم الداعي
بالدال. و التصويب للمرحوم الشنقيطي في نسخته. و سيأتي هذا الشطر بعد قليل في رجز آخر صحيحا.
[٣] الكسع: الضرب على الدبر؛ يقال: ولي القوم فكسعهم بالسيف، إذا اتبع أدبارهم فضربهم به.
[٤] في «الأصول»: «بها» و مرجع الضمير السيف الصارم في الشطر الذي قبل هذا الشطر.
[٥] المعلوب: اسم سيف له.
[٦] الصرمة هنا: القطعة من الإبل.
[٧] في «ديوان» الفرزدق (نسخة مخطوطة محفوظة بدار الكتب المصرية تحت رقم ٢٦٠٥ أدب): «في مستحصد الحبل».
و المستحصد: الذي أحكم فتله. و المكرب: المشدود بالكرب (بالتحريك) و هو حبل يشد على عراقي الدلو ثم يثنى و يثلث. و في «ديوان» الفرزدق: «و المكرب العقد الذي على عرقوة الدلو».
[٨] راجع الهامشة ٣ صفحة ٩٥ من هذا الجزء.