الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٥٩ - وصف مقتله و ما كان قبله من حوادث
(يريد الثور الوحشيّ). و أمّا بنو نمير فإنهم يرعون إبلهم [١] في رءوس الجبال. و أمّا بنو هلال فيبيعون العطر. قال:
فتحمّل عامّة بني رواحة، و آلي زهير لا يبرح مكانه حتى يصبح. و تحمّل من كان معه غير ابنيه ورقاء و الحارث.
قال: و كان لزهير ربيئة [٢] من الجنّ فحدّثه [٣]/ ببعض أمرهم حتى أصبح، و كانت له مظلّة دوج يربط فيها أفراسه لا تريمه [٤] حذرا من الحوادث. قال: فلمّا أصبح صهلت فرس منها حين أحسّت بالخيل و هي القعساء. فقال زهير: ما لها؟! فقال ربيئته: أحسّت الخيل فصهلت إليهن. فلم تؤذنهم [٥] بهم إلا و الخيل دوائس [٦]/ محاضير بالقوم غديّة. فقال زهير و ظنّ أنهم أهل اليمن: يا أسيد ما هؤلاء؟ فقال: هؤلاء الذين تعمّي حديثهم منذ اللّيلة.
قال: و ركب أسيد فمضى ناجيا. قال: و وثب زهير و كان شيخا نبيلا [٧] فتدثّر القعساء فرسه، و هو يومئذ شيخ قد بدن و هو يومئذ عقوق متّهم، و اعرورى [٨] ورقاء و الحارث ابناه فرسيهما، ثم خالفوا جهة ما لهم ليعمّوا على بني عامر مكان ما لهم فلا يأخذوه. فهتف هاتف من بني عامر: يا ليحامر- يريد يحامر و هو شعار لأهل اليمن- لأن يعمّي على الجذميّين [٩] من القوم. فقال زهير: هذه اليمن، قد علمت أنها أهل اليمن! و قال لابنه ورقاء: أنظر يا ورقاء ما ترى؟ قال ورقاء: أرى فارسا على شقراء يجهدها و يكدّها بالسّوط قد ألحّ عليها (يعني خالدا). فقال زهير:
«شيئا [١٠] ما يريد السّوط إلى الشّقراء» فذهبت مثلا، و قال في المرة الثانية: «شيئا ما يطلب السّوط إلى الشقراء» و هي حذفة فرس خالد بن جعفر، و الفارس خالد بن جعفر. قال: و كانت الشقراء من خيل غنيّ. قال: و تمرّدت [١١] القعساء بزهير؛ و جعل خالد يقول: لا نجوت إن نجا مجدّع (يعني زهيرا). فلمّا تمعّطت [١٢] القعساء بزهير و لم تتعلّق بها حذفة، قال خالد لمعاوية الأخيل بن عبادة و كان على الهرّار (حصان أعوج) [١٣]: أدرك معاوي، فأدرك معاوية زهيرا، و جعل ابناه ورقاء و الحارث يوطّشان [١٤] عنه (أي عن أبيهما). قال فقال خالد: اطعن يا معاوية/ في نساها، فطعن في إحدى رجليها فانخذلت القعساء بعض الانخذال و هي في ذلك تمعّط. فقال زهير: اطعن الأخرى، يكيده بذلك لكي تستوي رجلاها فتحامل [١٥]. فناداه خالد: يا معاوية أفدّ طعنتك (أي اطعن مكانا واحدا)، فشعشع الرّمح في رجلها فانخذلت. قال: و لحقه خالد على حذقة فجعل يده وراء عنق زهير، فاستخفّ به
[١] في «ح»: «يرعون إليهم».
[٢] ربيئة: طليعة يستطلع له الأشياء و يخبره بها.
[٣] في «الأصول»: «فحدثته».
[٤] لا تريمه: لا تبرحه.
[٥] تؤذنهم: تعلمهم.
[٦] يقال: أتتهم الخيل دوائس، أي يتبع بعضها بعضا. و المحاضير: جمع محضير أو محضار و هو الشديد الحضر (بالضم) أي العدو.
و في «الأصول»: «دواس محاضر» و ظاهر أنه تحريف.
[٧] نبيلا هنا: جسيما. و تدثر فرسه: وثب عليها فركبها، و قيل: ركبها من خلفها.
[٨] اعرورى فلان فرسه: ركبه عريانا أي ليس عليه سرج.
[٩] نسبة إلى «جذيمة». و في «الأصول»: «الجذيميين».
[١٠] «ما» زائدة. و هو يضرب لمن طلب حاجة و جعل يدنو من قضائها و الفراغ منها.
[١١] تمردت هنا: طغت و جاوزت الحد في عدوها.
[١٢] التمعط هنا: ضرب من العدو. و في «لسان العرب»: «التمعط في حضر الفرس أن يمد ضبعيه حتى لا يجد مزيدا و يحبس رجليه حتى لا يجد مزيدا للحاق، و يكون ذلك منه في غير الاجتلاط (الغضب) يملخ بيديه و يضرح برجليه في اجتماعهما كالسابح».
[١٣] في «الأصول»: «حصان عوج». و الأعوج من الخيل: ما اعوجت قوائمه، و يستحب ذلك فيها.
[١٤] يوطشان: يدفعان.
[١٥] أي فنتحامل، فحذفت التاء.