الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢١ - حديث حسان عنه حين وفد على النعمان
عصافيره [١] أمر له بها.
قال أبو عبيدة: قيل لأبي عمرو: أ فمن مخافته امتدحه و أتاه بعد هربه منه أم لغير ذلك؟ فقال: لا لعمر اللّه ما لمخافته فعل، إن كان لآمنا من أن يوجّه النعمان له/ جيشا، و ما كانت عشيرته لتسلمه لأوّل وهلة، و لكنه رغب في عطاياه و عصافيره. و كان النابغة يأكل و يشرب في آنية الفضّة و الذهب من عطايا النعمان و أبيه و جدّه، لا يستعمل غير ذلك. و قيل: إنّ السبب في رجوعه إلى النّعمان بعد هربه منه أنه بلغه عليل لا يرجى، فأقلقه ذلك و لم يملك الصبر على البعد عنه مع علّته و ما خافه عليه و أشفق من حدوثه به، فصار إليه و ألفاه محمولا [٢] على سريره ينقل ما بين الغمر و قصور الحيرة. فقال لعصام بن شهبر حاجبه- فيما أخبرنا به اليزيديّ عن عمّه عبيد اللّه و ابن حبيب عن ابن الأعرابيّ عن المفضّل-:
صوت
أ لم أقسم عليك لتخبرنّي
أ محمول على النّعش الهمام
فإنّي لا ألومك في دخولي
و لكن ما وراءك يا عصام
فإن يهلك أبو قابوس [٣] يهلك
ربيع النّاس و الشهر الحرام
و نمسك [٤] بعده بذناب عيش
أجبّ الظهر ليس له سنام
غنّاه حنين ثقيلا أوّل بالبنصر عن حبش.
قال أبو عبيدة: كانت ملوك العرب إذا مرض/ أحدهم حملته الرجال على أكتافها يتعاقبونه، فيكون كذلك على أكتاب الرجال، لأنه عندهم أوطأ من الأرض.
/ و قوله:
فإني لا ألومك في دخولي
أي لا ألومك في ترك الإذن لي في الدخول، و لكن أخبرني بكنه أمره. و قوله:
ربيع الناس و الشهر الحرام
يريد أنه كالربيع في الخصب لمجتديه، و كالشهر الحرام لجاره، لا يوصل إلى من أجاره كما لا يوصل في الشهر الحرام إلى أحد.
[١] العصافير: إبل نجائب كانت للملوك.
[٢] في «الأصول»: مجموما على سريره و هو تحريف.
[٣] أبو قابوس: كنية النعمان بن المنذر.
[٤] نمسك معطوف على جواب الشرط في البيت الذي قبله، فيجوز فيه الجزم بالعطف، و النصب بأن مقدرة، و الرفع على الاستئناف.
و يروى: «و نأخذ بعده». و ذناب كل شيء (بكسر أوّله): عقبه و مؤخره. و أجب الظهر: مقطوع السنام، كأن سنامه قد جب أي قطع من أصله، يقال: بعير أجب، و ناقة جباء. يقول: و نمسك بعده بطرف عيش قليل الخير بمنزلة البعير المهزول الذي ذهب سنامه و انقطع لشدّة هزاله. و الأحسن في «الظهر» الجر بالإضافة، و يجوز في مثله الرفع على قبح، و النصب على ضعف. قال ابن مالك في الكافية:
و الرفع و النصب حكوا و الجرا
في قول من قال أجب الظهرا