الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ٩٢
القرب و البعد عن الطرفين فإذا ألف الحس مرتبة من مراتب الخفاء ثم شاهد ما هو أكثر ظهورا من الأول و ظن أن هناك بريقا و شعاعا و ليس الأمر كذلك بل ذلك بسبب ضعف الحس و الدليل عليه أن ظهور بعض اللامعات بالليل المظلم دون النهار لضعف الحس في الظلمة.
فزعم أنها كيفية زائدة و لذلك إذا قوي البصر بنور السراج لم يراها و كذا نسبة لمعان السراج إلى لمعان القمر و نسبة لمعانه إلى نور الشمس من حيث إن لمعان السراج يزول عند ظهور القمر و هو يزول عند ظهور الشمس و السبب فيه ما ذكرنا من ضعف الحس و من هؤلاء من بالغ حتى قال ضوء الشمس ليس إلا الظهور التام للونها و ذلك يبهر البصر فحينئذ يخفى لونها لا لخفائه في نفسه كما أنا نحس بالليل بلمعان اللوامع و لا نحس بألوانها لكون الحس لضعفه في الليل يبهره ظهور تلك الألوان فلا جرم لا يحس بها.
ثم إذا قوي في النهار بنور الشمس لم يصر مغلوبا لظهور تلك الألوان فلا جرم يحس بها هذا بيان مذهبهم.
أقول لا بد أولا من تحقيق محل الخلاف في أن النور كيفية زائدة على اللون أو نفس الظهور.
فنقول من قال بأنه نفس الظهور فهو لا يخلو إما أن يريد به الظهور أو مجرد هذه النسبة و الثاني باطل و إلا لكان الضوء أمرا عقليا واقعا تحت مقولة المضاف فلم يكن محسوسا أصلا لكن الحس البصري مما ينفعل عن الضوء و يتضرر بالشديد منه حتى يبطل و الأمور الذهنية لا يؤثر مثل هذا التأثير فثبت أن الضوء عبارة عما يوجب الظهور فيكون أمرا وجوديا لكن بقي الكلام في أنه عين اللون أو غيره و قد تكلمنا في ذلك في تعاليقنا على ضوابط الإشراقيين عند مقاوماتنا للوجوه التي ذكرت هناك حتى استقر الرأي على أن النور المحسوس بما هو محسوس عبارة عن نحو وجود الجوهر المبصر الحاضر عند النفس في غير هذا العالم و أما الذي في الخارج بإزائه فلا يزيد وجوده على وجود