الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ١٣٤
المحسوس على الحس أي الصورة الموجودة في آلة النفس فتلك الصور كلها كيفيات نفسانية عندنا و ليس شيء منها محسوسا لأحد بإحدى الحواس و لا يمكن إدراكها إلا بالنفس لا بالحس إذ لا توسط للحس في الحس بل في المحسوس الخارج عنه.
فإن قلت فما قولك في اللذة البصرية فإن المحسوس بالبصر هو الأمر الخارجي- إذ لو كان الإبصار بانطباع صورة المرئي في العضو المخصوص لزم فساد انطباع العظيم في الصغير و غير ذلك من المفاسد.
قلت مذهبنا في الإبصار أمر آخر غير المذاهب المشهورة فإنه بتمثل الصورة المبصرة للنفس في غير هذا العالم و تلك الصورة أيضا ليست من جنس هذه الكيفيات- المسماة بالحسيات بل لونها و شكلها من جنس الكيفيات النفسانية و هي قائمة بالنفس لا بآلة البصر قيام المفعول بالفاعل لا الحال بالمحل فليدرك غور هذا التحقيق فإنه شريف جدا نافع في علم المعاد و موعد بيانه غير هذا الموضع.
و مما ينبغي أن يعلم هاهنا أنه نقل عن جالينوس أنه قال إن اللذة و الألم يحدثان في الحواس كلها و كلما كان الحس أكثف كانت مقاومته مع الوارد [١] أكثر فكان الألم و اللذة أقوى و ألطف الحواس البصر لأنه يتم بالنور الذي يشبه النار التي هي ألطف العناصر فلا جرم لا يكون اللذة و الأذى في البصر إلا قليلا و السمع أقل لطافة من البصر لأن آلته الهواء المقروع فلا جرم صارت اللذة و الأذى في هذه الحاسة أكثر منها في البصر ثم الشم أقل لطافة من السمع لأن محسوسه البخار و هو أغلظ من الهواء- فلا جرم اللذة و الأذى في الشم أكثر منها في البصر و السمع و الذوق أغلظ من الشم لأن آلته الرطوبة العذبة في درجة الماء فلا جرم اللذة و الأذى في الذوق أكثر و اللمس أغلظ من جميع الحواس لأنه في قياس الأرض فكانت مقاومته مع الوارد أقوى و أبطأ
[١] أقول لا يخفى على ذي بصيرة ناقدة أنه كلما كانت المقاومة أكثر كان الانفعال أقل- فكان الإدراك و الإحساس أضعف فكانت اللذة و الألم أضعف فبمقتضى هذا يكون الأمر في باب اللذة و الألم في الحواس عكس ما ذكره هذا الطبيب فافهم، إسماعيل ره