الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ١٦١
و الحسية و لأن استعداده شديد فيكفيه منها أدنى سبب كما للصبي فيظن أنه يفرح بلا سبب و ذلك محال فقد اجتمع لشارب الخمر أمور ثلاثة.
أحدها استكمال جوهر روحه في الكم و الكيف.
و ثانيها اندفاع الأفكار العقلية عنه التي ربما يكون أسبابا للغم.
و ثالثها استعمال تخيله و تفكره في المحسوسات الخارجة التي هي أسباب اللذة فلا جرم يكمل فرحه و يقوى نشاطه.
أقول هذه الأمور المذكورة إذا اطلع عليها ناقص العقل يصير منشأ لإقدامه على فعل الشرب و أما إذا اطلع عليها عاقل يصير بعض هذه الأسباب بل كلها باعثا لإعراضه عنه و إن لم يصل إليه حكم الشريعة الإلهية سيما و قد نص على تحريمه و تقبيحه بأبلغ تأكيد فإن الإنسان مخلوق للنشأة الثانية و كماله العقلي إنما يحصل بارتحاله عن هذه النشأة و رجوعه عنها إلى جوار الله و عالم ملكوته و ذلك بمطالعة العقليات الدائمات و الابتهاج بها دون الحسيات الداثرات و التلذذ بها.
و أما الثاني فهو غم السوداوي فلأن حاله بالضد من ذلك و الأسباب في حقه أضداد لتلك الأسباب فإن جوهر روحه قليل المقدار ضعيف الكيفية فينفعل من الأسباب الموذية و الغامة لاستعداده للغم فيكون قوي التخيل مصروفا في الأمور البعيدة المستقبلة لأن روحه التي في البطن الأوسط من الدماغ تخفف حركتها بجفافها لما يفيده السوداء من اليبس.
ثم إنه لقوة تخيله تصور الأشباه و المحاكيات للأمور الموحشة و الغامة فكأنه يشاهدها قائمة في الخارج واقعة عليه فيكثر غمه و أكثر ما في هذه الفصول إنما نقلناها عن المقالة التي جمعها الشيخ في الأدوية القلبية.
و هذه المسائل و إن كانت أنسب بالطبيعيات إذ كان المنظور إليه فيها ما يعرض الجسم من حيث انفعاله و لكن نظرنا فيها إلى نحو الوجود لأنواع الكيفيات النفسانية و أحوالها و عوارضها و ما يطابقها و ما يوازيها من أحوال الجسم و عوارضه و هذا