الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ٢٧٥
و أيضا لا شك أن للطبيعة القائمة بمادة النطفة اقتضاء في الاستكمال و توجها غريزيا نحو تحصيل الكمال و ليس توجهها و اقتضاؤها مبطلا لنفسه و مفسدا لصورته- فمن أين حصلت علة الفساد و سبب البطلان للصورة الأولى حتى يحدث الثانية و الطبيعة لا يقتضي إلا حفظ صورتها و التوجه إلى غايتها و كمالها بإمداد من القوى العالية.
فكما أن الصورة الطبيعية كمال للمادة الجسمية فكذا الصورة النباتية كمال- و سبب غائي للصورة الطبيعية و كذلك الحيوانية غاية كمالية للنفس النباتية و هلم جرا إلى درجة العقل المستفاد و ما بعده و في جميع هذه الدرجات و المقامات وحدة- موضوع الحركة محفوظة بواحد بالعموم من الصورة و هو نوع ما من الصور المتعاقبة على الاتصال يستحفظه وحدته الاتصالية بواحد بالعدد من الجوهر الفعال المفيض للكمال بعد الكمال حسب تزايد الاستكمال بتوارد الأحوال و الاتصال أيضا ضرب من الوحدة الشخصية و إن كان على سبيل التدريج و عدم الاستقرار و هذا و إن كان فيه حيد عن المشهور لكنك تعلم أن العاقل لا يحيد عن المشهور و لا يجاوز ما عليه الجمهور ما وجد عنه محيصا.
ثم من نظر في أطوار الإنسان و عجائب نشأته و عوالمه و رآه كيف تعرج تارة إلى سماء العقل رقيا و ينزل إلى أرض الطبيعة هويا لم يبق له شك في أن له اشتدادا و تضعفا بحسب جوهر ذاته و إني لا أبالي بمخالفة الجمهور و مجاوزة المشهور بل المسافر يفرح بها و يفتخر فإن الجمهور مستقرون ساكنون في البلد الذي هو مسقط رءوسهم و أرض ولادتهم و أول منزل وجودهم و إنما يسافر منه و يهاجر الآحاد منهم دون الأعداد.
و أما الذي يكسر سورة استنكارك و استبعادك حيث تقول إنه يلزم الانقلاب في الماهيات و الذاتيات فهو أنك إن تحققت و أذعنت ما أسلفناه في أن الوجود هو الأصل في الموجودية و الوقوع و الماهيات تابعة لأنحاء الوجودات و علمت أن أفراد الوجود بعضها أشد و بعضها أضعف كما أن بعضها أقدم من بعض بالذات لعلمت أن