الدارس في تاريخ المدارس - عبد القادر بن محمد النعيمي الدمشقي - الصفحة ٢٠٣ - ٢٨٤- التربة العادلية الجوانية بالمدرسة العادلية الكبرى
سنة أربعين، نشأ في خدمة نور الدين الشهيد مع أبيه و أخوته، و حضر مع أخيه صلاح الدين فتوحاته، و كان صلاح الدين يعول عليه كثيرا، و استنابه بمصر مدة، ثم أعطاه حلب المحروسة، ثم أخذها منه لولده الظاهر و أعطاه الكرك عوضها ثم حران.
قال بعضهم: و كان أقعد الملوك بالملك، و ملك من بلاد الكرج إلى قرب همدان و الجزيرة و الشام و مصر و الحجاز و اليمن و حضر موت، و أبطل كثيرا من الظلم و المكوس. و قال أبو المظفر السبط: كان خليقا بالملك، حسن التدبير، حليما، صفوحا، مجاهدا، عفيفا، متصدقا، آمرا بالمعروف، ناهيا عن المنكر، طهر جميع ولايته من الخمور و المكوس و الخواطيء و المظالم، و كان الحاصل من ذلك بدمشق خصوصا مائة ألف دينار، فأبطل الجميع للّه تعالى. و أعانه على ذلك و إليه المعتمد [١]، ثم ذكر ما نقله في غلاء مصر و بالغ، حتى نسبه الذهبي إلى المجازفة، و قضاياه مشهورة مع الأفضل و العزيز، و آخر الأمر استقل بمملكة الديار المصرية، و دخل القاهرة في شهر ربيع الآخر سنة ست و تسعين و ملك معها البلاد الشامية و الشرقية، و صفت له الدنيا، ثم ملك اليمن سنة اثنتي عشرة و ستمائة، و لما تمهدت البلاد قسمها بين أولاده الكامل و المعظم و الأشرف، و كان يتردد بينهم و ينتقل من مملكة إلى أخرى، و كان في الغالب يصيف بالشام و يشتي بمصر، و أمر بعمارة قلعة دمشق، و ألزم كل واحد من ملوك أهل بيته بعمارة برج. و قال الموفق عبد اللطيف في سيرة العادل: كان أصغر الإخوة، و أطولهم عمرا، و أعفهم ذكرا، و أنظرهم في العواقب، و أشدهم إمساكا، و أحبهم للدرهم، و كان فيه حلم و أناة و صبر على الشدائد، و كان سعيد الحظ مظفرا بالأعداء، و كان أكولا نهما يحب الطعام، و يحب اختلاف الألوان، و كان أكثر أكله بالليل و بالخل، و عند ما ينام آخر الليل يصنع له و يأكل رطلا بالدمشقي من خبيص السكر، و كان كثير الصلاة و يصوم الخميس، و له صدقات في كثير من الأوقات فخاصة عند ما تنزل به الآفات، و كان كريما على الطعام، يحب من
[١] ابن كثير ١٣: ١٢٤.