الدارس في تاريخ المدارس - عبد القادر بن محمد النعيمي الدمشقي - الصفحة ١٤٣ - ١٨٢- الخانقاه الناصرية
سنتين و كان متشرعا في ملبسه و مأكله و مشربه و مركبه، فلا يلبس الا الكتان و القطن و الصوف، و لا يعرف أنه تخطى مكروها بعد أن أنعم اللّه تعالى عليه بالملك، و كان همه الأكبر نصر الاسلام، و كان عنده فضيلة تامة في اللغة و الأدب و أيام الناس، قيل إنه كان يحفظ الحماسة بكمالها، و كان يفهم ما يقال بين يديه من البحث و المناظرة، و يشارك في ذلك مشاركة قريبة حسنة، و ان لم يكن بالعادة المصطلح عليها، و كان قد جمع له القطب أبو المعالي مسعود النيسابوري نزيل دمشق عقيدة، فكان يحفظهما و يحفظها من عقل من أولاده، و كان يحب سماع القرآن العظيم، و يواظب على سماعه و سماع الحديث الشريف، و كان رقيق القلب، سريع الدمعة عند سماعه، كثير التعظيم لشعائر الدين، و كان قد لجأ الى ولده الظاهر غازي و هو بحلب شاب يقال له الشهاب السهروردي [١] و كان يعرف الكيمياء و شيئا من الشعوذة و الابواب النارنجيات، فافتتن به ولده، و قربه و أحبه و خالف فيه حملة الشرع، فكتب اليه أن يقتله لا محالة، فصلبه ولده عن أمر والده و شهره، و يقال إنه حبسه بين حائطين حتى مات كمدا، و ذلك في سنة ست و ثمانين، و كان صلاح الدين (; تعالى) مواظبا على الصلوات في أوقاتها في جماعة، يقال إنه لم تفته الجماعة في صلاة قبل وفاته بدهر طويل حتى في مرض موته، و كان يدخل الامام فيصل به، و يتجشم القيام مع ضعفه، و استهلت سنة تسع و ثمانين و خمسمائة و هو في غاية الصحة و السلامة، و خرج هو و أخوه أبو بكر العادل معه الى الصيد شرقي دمشق، و قد اتفق الحال بينه و بين أخيه العادل انه بعد ما قد يفرغ من أمر الفرنج هذه المدة يسير هو إلى بلاد الروم، و يبعث أخاه الى بغداد، و كان همه الأكبر و مقصوده الأعظم نصر الاسلام و كسر الأعداء اللئام، و يعمل فكره في ذلك، و رأيه وحده و مع من يثق به و برأيه ليلا و نهارا سرا و جهرا، فإذا فرغا من شأنهما سارا جميعا الى بلاد أذربيجان و بلاد العجم، فانه ليس دونهما أحد يمانع عنها و لا يصدهم، و لما قدم الحجيج من الحجاز الشريف في يوم الاثنين حادي عشر صفر منها خرج لتلقيهم و كان معهم ولد
[١] شذرات الذهب ٤: ٢٩٠.