الدارس في تاريخ المدارس - عبد القادر بن محمد النعيمي الدمشقي - الصفحة ١٤٤ - ١٨٢- الخانقاه الناصرية
أخيه سيف الاسلام صاحب اليمن، فاكرمه و التزمه و احترمه، و عاد إلى القلعة المنصورة فدخلها من باب الحديد و كان ذلك آخر ما ركب في هذه الدنيا، ثم انه اعتراه حمى صفراوية ليلة السبت سادس عشره، فلما أصبح دخل عليه القاضي و ابن شداد و ابنه الأفضل، فأخذ يشكو إليهم كثرة قلقة البارحة، و طاب له الحديث، و طال مجلسهم عنده، ثم تزايد به المرض و استمر و فصده الأطباء في اليوم الرابع فاعتراه يبس و حصل له عرق شديد، بحيث نفذ إلى الأرض، فقوي اليبس أيضا، فأحضر الأمراء و الأكابر و الرؤساء فبويع الأفضل نور الدين علي و كان نائبا على ملك دمشق، و ذلك عند ما ظهرت مخايل الضعف الشديد و غيبوبة الذهن في بعض الأوقاف و كان الدين يدخلون عليه في هذه الحال القاضي الفاضل و ابن شداد و قاضي البلد ابن الزكي، و تفاقم به الحال ليلة الأربعاء السابع و العشرين من صفر المذكور، و استدعي الشيخ أبو جعفر إمام الكلاسة ليبيت عنده يقرأ القرآن و يلقنه الشهادة إذا جد به الأمر، فذكر أنه كان يقرأ عنده و هو في غمرات الموت فقرأ قوله تعالى: هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَ الشَّهادَةِ (الآية). فقال: و هو كذلك صحيح، فلما أذن الصبح جاء القاضي الفاضل فدخل عليه و هو بآخر رمق، فلما قرأ القارئ قوله تعالى: (لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ)، تبسم و تهلل وجهه و سلمها إلى ربه عز و جل، و مات (; تعالى) و أكرم مثواه، و جعل جنة الفردوس مأواه، عن سبع و خمسين سنة، و غلقت الأسواق و احتفظ على الحواصل، و أخذوا في تجهيزه و غسله، و حضر جميع أولاده و أهله، و يعزّ عليهم أن يأتوا بمثله، و كان الذي تولى غسله خطيب البلد الفقيه الصالح ضياء الدين عبد الملك الدولعي. و كان الذي أحضر الكفن و مؤنة التجهيز هو القاضي الفاضل من صلب ماله الحلال، هذا و أولاده الكبار و الصغار يبرزون و ينادون و يبكون و أخذ الناس في العويل و الانتحاب و الابتهال و ابرز نعشه في تابوت بعد صلاة الظهر، و أم الناس في الصلاة عليه قاضي القضاة محيي الدين محمد بن الزكي الشافعي ثم دفن في داره بالقلعة المنصورة، و ارتفعت الأصوات بالبكاء و عظم الضجيج، حتى ان العاقل كان يتخيل أن الدنيا تضج