الصحيح من سيرة النبي الأعظم صلّى الله عليه وآله - العاملي، السيد جعفر مرتضى - الصفحة ٤٦ - رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أحب إليه
ثم زاد على ذلك: بأن تحمل أقسى و أعنف الآلام الروحية، و هو يرى أباه يعلن براءته منه على الملأ من قريش، و هي براءة تدلل على عمق الجرح الذي أحدثه قراره في نفس أبيه المفجوع به، حيث واجهه بأعنف صدمة عاطفية، و هو يرى خيبة آماله في ولده، و فلذة كبده و أعز ما و من في الوجود عليه.
و الذي يزيد في هذه الآلام: أن ولده هذا لم يراع مكانة أبيه، بل هو قد عرض موقعه الاجتماعي للاهتزاز، حين أصر على البقاء في كنف إنسان آخر، عاش معه ردحا طويلا على صفة العبودية. و إذا بهذا العبد يفضل سيده حتى على أهله و عشيرته، و حتى على أبيه و أمه.
فما معنى: أن يفضل هذا الولد حياة العبودية مع سيده هذا على ما سواها، دون أن يطلب لنفسه أي امتياز، أو ضمانة، أو دون أن يفكر بأي تغيير في مسار هذه الحياة، مع من يطلب البقاء معهم، و العيش في كنفهم؟ !
ألا يدل ذلك: على أن في الأمر سرا عميقا و دقيقا، قد يتجلى هذا السر في بعض وجوهه، في أن السبب في عظمة النبي الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن هو تميّزه و تفرّده في الصفات و السمات البشرية. .
و إنما سببها هو: أنه ذلك الإنسان الإلهي الصافي، و الخالص، الذي استحال على زيد بن حارثة، رغم طول صحبته له، و اطلاعه عن قرب على حالاته المختلفة-لقد استحال عليه-: أن يجد فيه أي حالة من حالات الضعف البشري. .
بل هو يراه دائم التعالي و التسامي و الرقي في منازل الكرامة و في المقامات المحمودة، و يشاهده و هو يزداد بهاء و سناء، و توهجا و تألقا في