الصحيح من سيرة النبي الأعظم صلّى الله عليه وآله - العاملي، السيد جعفر مرتضى - الصفحة ٢٣٦ - ٨-الأسوة الحسنة
ب: إن مشاركته «صلى اللّه عليه و آله» في حفر الخندق تجسد عمليا المساواة بين جميع فئات المجتمع، و تخرجها عن أن تكون مجردة شعار يراد له أن يبقى في حدود إثارة المشاعر، في النشاط الإعلامي الجماهيري، دون أن يجاوز ذلك ليصبح حياة و حركة، نهجا و سلوكا.
فالمساواة في نظر الإسلام نهج و سلوك، و خلق إسلامي و إنساني رفيع و نبيل، تنطق من خلاله و على أساسه مثل و قيم في جهات حياتية شتى.
و لأجل ذلك: نجد النبي «صلى اللّه عليه و آله» يشارك أصحابه في حفر الخندق مشاركة حقيقية، فهو يتعب كما يتعبون، و يرتجز كما يرتجزون، و يجوع كما يجوعون، و يشاركهم حلو العيش و مره، و يشترك معهم في تحمل المتاعب و مواجهة المصاعب و يكون أكثرهم عناء، و أعظمهم غناء.
ج: إن هذه المشاركة منه «صلى اللّه عليه و آله» لم تكن عن تواضع يريد من ورائه نيل رضاهم من خلال المواساة التي يتلمسونها في مشاركته تلك. بل هي منطلقة بالإضافة إلى ذلك من قناعة راسخة بالقيم و المبادئ، و بالمثل الإسلامية و الإنسانية، التي تجعل ذلك عبادة إلهية، و عبودية له سبحانه و تعالى، تلك العبادة و العبودية التي لا تستثني و لا تجامل و لا تحابي أحدا أيا كان.
د: و من الواضح: أن ارتباط النبي «صلى اللّه عليه و آله» بالناس لم يكن من نوع الروابط التي تقوم بين الزعيم و بين قاعدته الجماهيرية، و لا كانت هي رابطة حاكم و رعية، و إنما كانت رابطة الأبوة المسؤولة و الواعية، التي يدفعها إحساسها الأبوي لتريد الخير لمن هم تحت تكفّلها من موقع الوعي و التدبير، لا من موقع العاطفة الهوجاء، و لا من منطلق التفكير المصلحي، الذي يريد أن يستفيد من ذلك لتكريس زعامته، أو كسب امتيازات