الصحيح من سيرة النبي الأعظم صلّى الله عليه وآله - العاملي، السيد جعفر مرتضى - الصفحة ٢٠٣ - بين الأصالة و التجديد
و أخيرا: نجد نصا عن سلمان الفارسي يصرح فيه بالمبررات لحفر الخندق، فهو يقول: «يا رسول اللّه، إن القليل لا يقاوم الكثير في المطاولة.
قال: فما نصنع؟
قال: نحفر خندقا يكون بيننا و بينهم حجابا، فيمكنك منعهم في المطاولة. و لا يمكنهم أن يأتونا من كل وجه. فإنّا كنا معاشر العجم في بلاد فارس إذا دهمنادهم من عدونا نحفر الخنادق، فيكون الحرب من مواضع معروفة.
فنزل جبرئيل «عليه السلام» على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فقال: أشار سلمان بصواب [١].
بين الأصالة و التجديد:
و آخر ما نقوله هنا: أن حفر الخندق قد أفهم المسلمين: أنه ليس من الضروري أن يبقى الإنسان أسير الأفكار و العادات و الأساليب المتداولة في المحيط الذي يعيش فيه، فإذا كان باستطاعته أن يبتكر أساليب، و يحدث وسائل جديدة، تمكنه من تحقيق أهدافه على النحو الأفضل و الأمثل، فعليه أن يبادر إلى ذلك، و يكسر حاجز الإستغراب و الإستهجان و الرهبة، و يتحرر من عقدة الحفاظ على القديم، أو على العادة و التراث لمجرد أنه قديم و تراث، و من موقع الجمود، و الخواء و التقوقع.
أما إذا كان هذا القديم يمثل الأصالة، و العمق و الانتماء، و يعيد للإنسان هويته الحقيقية، و يحول بينه و بين التخلي عن خصائصه الإنسانية
[١] تفسير القمي ج ٢ ص ١٧٧ و البحار ج ٢٠ ص ٢١٨.