الصحيح من سيرة النبي الأعظم صلّى الله عليه وآله - العاملي، السيد جعفر مرتضى - الصفحة ١٨٢ - الحارث بن عوف ينصح قومه
و ذكية، حينما ضمّن كلامه خليطا من الأمور التي ترضي آنئذ غرور الإنسان العربي و القرشي على وجه الخصوص، بملاحظة طبيعة حياته، و عاداته و موقعه، ككونهم ينحرون الجزور الكوماء، و يسقون الحجيج، و كونهم عمّار البيت، ثم هم يعبدون الأوثان.
فيفهم اليهود ما يرمي إليه و يناغمونه الكيد و التزوير، و يحكمون لهم بأنهم أولى بالحق من محمد بالاستناد إلى نفس ما أراد أبو سفيان أن يستندوا إليه و ألقى إليهم به.
الحارث بن عوف ينصح قومه:
و يستوقفنا هنا: ما قاله الحارث بن عوف لقومه، و هو ينهاهم عن المسير إلى حرب محمد «صلى اللّه عليه و آله» ، فإنها نصيحة مهمة تعبر عن إدراك حقيقي لما يجري، ثم هو يقيّم الواقع بصورة متوازنة، و عاقلة، حيث عبر لهم عن اعتقاده أن أمر الإسلام ظاهر و غالب، و لو ناوأه ما بين المشرق و المغرب لكانت له العاقبة.
و نعتقد: أنه قد أدرك هذا الأمر بحسن تقديره للأمور، و هو يراقب ما يطرح هذا الدين للناس من مفاهيم و تشريعات، و ما يمارسه من تدابير و سياسات تنسجم مع أحكام العقل و الفطرة السليمة، و مع الخلق السامي و النبيل. ثم هو يرى الواقع السياسي، و كل التحولات التي تستجد على المنطقة بصورة مطّردة و مستمرة، و يرى أن هذا الدين لا يزال ينتشر، و يتجذر، و يترسخ و تتنامى هيبته و تتأكد هيمنته، رغم كل الكيد الذي يواجهه به أعداؤه، و كل الحقد الذي يعامله به مناوئوه.