الرسائل الأربع( قواعد أصولية وفقهية) - تقريرات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٨٨ - تنبيهات
الجواب الذي ذكرناه سابقاً. فمورد الحديث و منحاه و هدفه و غايته، تربية الناس تربية سامية إسلاميّة، حتّى لا يضرّ أحد أحداً. و لأجل ذلك فقد أخبر النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) بتأكيد عن عدم أيّ تشريع للضرر، أي ضرر بعض النّاس بعضاً. ( [١])
هذا تمام الكلام في المقامات الأربعة و ينبغي، تكميلًا لمفاد القاعدة، و تعييناً لحدودها، البحث عن أُمور، و لذلك ذيّلنا البحث بعدّة
تنبيهات:
[١] يلاحظ على مختاره- (دام ظلّه)- بما يلي:
أوّلًا: إنّ من فحص فحصاً تامّاً في طيّات كتب الحديث عن مدارك القاعدة سوف يجد أنّ هناك موارد ليست بالقليلة يظهر منها أنّ مصدر الضّرر و فاعله ليس النّاس بعضهم بعضاً بل هو الشّارع، و لذلك نفيت تلك الأحكام و رفعت لوجود الضّرر فيها لو شرّعت على المكلّفين.
نعم لو قلنا بأنّ مدرك القاعدة هو حديث سمرة و اضرابُه فقط، لكان للقول بانحصار مصدر الضرر في النّاس مجال. إلّا أنّنا أثبتنا خلاف ذلك كما مرّ.
و ثانياً: إنّ استناد الفقهاء في جميع أبواب العبادات من الطهارة و الصلاة و الصوم و الحجّ و الجهاد و الزّكاة و ما إلى ذلك، إلى أدلّة قاعدة نفي الضّرر لا يقل عن استنادهم إلى أدلّة نفي الحرج و سنتعرّض إلى تلك الموارد مع اعطاء فهرس كامل لها إن شاء اللّه في ملحقات هذا الكتاب.
ثمّ إنّ استنادهم إلى أدلّة نفي الحرج في بعض الموارد ليس لاعتقادهم بعدم صحّة الاستدلال بقاعدة نفي الضّرر هناك، بل لاعتقادهم عدم الفرق الكبير بين القاعدتين منحًى و مورداً كما يبدو لمن تأمّل في عباراتهم.
و خاصة إذا لاحظنا عدم تعنون قاعدة لا ضرر في كتب القدماء بصورة مستقلّة و متميّزة ثغورها عن القواعد الأُخر المشابهة كقاعدة نفي الحرج و ما شاكلها.
و لذلك نرى المحقّق الحليّ في كتابه المعتبر ج ١، ص ١٣٨ في مكروهات التخلّي من كتاب الطهارة، عند ما يريد الاستدلال على عدم كراهة التكلّم حين التغوّط عند الضرورة يقول: «و أمّا حال الضرورة فلما في الامتناع من الكلام من الضّرر المنفي بقوله تعالى: (و ما جعل عليكم في الدّين من حرج).