الرسائل الأربع( قواعد أصولية وفقهية) - تقريرات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٨٣ - الخامس أنّ النفي بمعنى النهي و النهي مولوي سلطاني لا مولوي إلهي
و الاحياء.
إذا عرفت ذلك نقول: إنّ هنا ما يدل على أنّ «لا ضرر و لا ضرار» صدر عنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) لا بما أنّه حكم إلهي كسائر الأحكام الواردة عنه- عليه الصلاة و السلام-، بل حكم سلطاني صدر عنه بما أنّه سائس الأُمّة و حاكمها لأجل قطع دابر الفساد و قلع جذوره. و إليك ما يدل عليه:
١- قد نقل ابن حنبل في مسنده قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «لا ضرر و لا ضرار» في ضمن أقضيته البالغة نيفاً و عشرين، رواها عن عبادة بن الصامت حيث قال: «و قضي لا ضرر و لا ضرار». و بما أنّ المقام ليس من موارد القضاء، إذ لم يكن هناك جهل بالحكم و لا جهل بالموضوع، فلا يصحّ حمله على القضاء و فصل الخصومات ويتعيّن حمله على أنّه حكم سلطاني صدر عنه لأجل دفع الفساد. و مفاده أنّه حكم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) بأن لا يضر أحد أحداً، و لا يجعله في ضيق و لا حرج و مشقّة. فيجب على الأُمّة طاعة هذا النهي المولوي السلطاني لأنّه حكم السلطان المفروضة طاعته.
٢- إنّ الناظر في قضية سمرة و ما ورد فيها من الروايات يقف، على أنّ الأنصاري التجأ إلى النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) لما وقع في الضيق و الحرج، و استنجد به و استنصره، و لم يلجأ إليه إلّا بما أنّه سلطان و رئيس، و حاكم و مقتدر، يقدر على دفع شر المعتدي و ضرره. فأحضره رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و ذكر له شكوى الأنصاري، فلمّا تأبّى عن الطاعة أمر بقلع الشجرة و حكم بأنّه لا يضر أحد أخاه في حمى سلطانه و حوزة حكومته. فليس المقام مناسباً لبيان حكم اللّه، و انّ الأحكام الواقعية الضررية ليست مجعولة، أو أنّ الموضوعات الضررية مرفوعة الحكم، أو أنّ الحكم الإلهي هو أن لا يضرّ أحد أحداً، فإنّ كل ذلك ليس مربوطاً بما دار بين الرسول و سمرة.
فالصادر عن رسول اللّه في هذا المقام هو حكم سلطاني مفاده أنّ الرعية ممنوعة عن الضرر و الضرار بعضها ببعض، دفاعاً عن المظلوم و حفظاً للنظام. ( [١])
[١] تهذيب الأُصول ج ٢ ص ٤٨١- ٤٨٩ مع تصرّف يسير.