سر الأسرار و مظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار - الجيلاني، عبد القادر - الصفحة ٤٤٢ - الباب الأول في نسب الشيخ و عشيرته
بالإنصاف هو كتاب نفيس تبصرة المريدين و تذكرة [٢٠/ ق] للعارفين و تنبيه للغافلين و مقمعة لأولياء الشياطين، و إنما المحروم المتشبع بما ليس عنده المنقب على عيوب الناس لنسيانه عيوبه المؤول الكمال لحسده نقصا يضل و يضل، و لو كان هذا المعترض متخليا من تلك الأوصاف، لما غابت عليه المحامل الحسنة اللائقة بطريق الإنصاف، و من الحكم قول من قال:
|
أخا العلم لا تعجل بعيب مصنف |
و لم تتحقق زلة منه تعرف |
|
|
فكم أفسد الراوي كلاما بعقله |
و كم حرف المنقول قوم و صحفوا |
|
|
و كم ناسخ أضحى لمعنى مغيرا |
و جاء بشيء لم يرده المصنف |
|
ثم قال المعترض: و منها ما نسبه: أي العفيف للشيخ أنه يقول في شأن آدم ٧ لما مال قلبه إلى حواء فرق بينه و بينها مسيرة ثلاثمائة سنة هو بسرنديب و هي بجدة.
أقول: أي يقول المعترض: و ليس يخفى عليك قرب المسافة التي بين سرنديب الهند و جدة الحجاز، فالقائل ثلاثمائة سنة كيف يقتدي بعلمه و يعتمد على اتباعه في طريق السير إلى اللّه و عقبات السلوك، و هل هذه الأكاذيب إلّا من البهتان الصريح على الشيخ ; و تلك كادّعائهم انتسابه لأهل البيت لا غير.
أقول: المسافة بين سرنديب وجدة الحجاز لا يجهلها عامة النبهاء فضلا على العلماء مثل العفيف حتى يكذب بها على أستاذه، و على فرض أن العفيف ليس من العلماء ففضله يأبى الكذب و معنى كلام العفيف الذي نقله هنا عن الإمام الجيلي ظاهر لمن أسعده اللّه بالعلم و بحمل أقوال العلماء على ما يقتضيه مقامهم.
فالجواب: أن الجيلي ذكر ذلك في سياق الحض على إفراغ القلب من غير اللّه و تخصيصه بالتوجه إلى اللّه و من الأساليب البلاغية التعبير بعدد كثير كناية عن الطول و تهويلا للمشقة فيه بغير إرادة خصوص العدد، كقوله تعالى: فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ [المعارج: الآية ٤] فالمراد لازمها من الشدائد لا حقيقتها، فهو من قبيل التمثيل كما ذكره أعلام المفسرين جمعا بين الآيتين منهم الفخر الرازي في تفسيره الكبير و الخطيب و أشار إليه تفسير الجلالين و صرح به حواشيه و قدمه القاضي البيضاوي، و هو الراجح عنده، كما بينه محشيه القنوي.
فقول الواعظين و الأساتذة المرشدين كالإمام الجيلي و غيره من عدول حملة الأحاديث و الآثار بين كذا و كذا مسيرة كذا و كذا مثلا في مساق الترغيب و الترهيب