سر الأسرار و مظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار - الجيلاني، عبد القادر - الصفحة ٥٤ - الفصل الثاني و العشرون في بيان الوقعات في المنام و السنة
و الخيل آت أيضا منها آلة الجهاد الأصغر و الأكبر. فكلّ ذلك للآخرة، و في الحديث: «أنّ الغنم خلق من عسل الجنّة، و البقر من زعفرانها، و الإبل من نورها، و الخيل من ريحها»[١] و أمّا البغل فهو من أدنى صفة المطمئنة من رآه في المنام فتعبيره أن يكون الرّائي كسلا في العبادة، و ثقلا في القيام و القعود، و لا يكون لكسبه نتيجة في الحقيقة إلّا التّوبة: ... وَ عَمِلَ صالِحاً فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى ... [الكهف: الآية ٨٨].
و الحمير من حجارتها لأجل مصلحة آدم عليه الصّلاة و السّلام و ذرّيته لكسب الآخرة في الدّنيا.
و أمّا ما يتعلّق منها بالرّوح فكالشّابّ الأمرد، تتجلّى عليه الأنوار الإلهية؛ لأنّ أهل الجنّة كلّهم على هذه الصّورة كما قال رسول اللّه ٦:
«أهل الجنّة جرد مرد كحل ...»[٢] الحديث. و كما قال رسول اللّه ٦: «رأيت ربّي بصورة شابّ أمرد»[٣]. قال بعضهم: المراد من هذه الصّورة تجلّي الحقّ بصفة الرّبوبيّة على مرآة الرّوح، و هو الّذي يسمّونه طفل المعاني؛ لأنّه مربّ الجسد، و وسيلة بينه و بين الرّبّ. و قال أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب كرّم اللّه وجهه: «لو لا المربي لما عرفت ربّي»، و هذا المربي مربي الباطن، و هو إنّما يحصل بسبب تربية مربّ ظاهريّ بالتّلقين، فالأنبياء و الأولياء مربو القوالب و مربو القلوب ما يحصل من تربيتهم من لقاء الرّوح الآخر كما مرّ، كما قال اللّه تعالى:
... يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ ... [غافر: الآية ١٥]. و طلب المرشد لأجل هذا الرّوح الّذي يحيى به القلب و يعرف به ربّه فافهم.
قال الإمام الغزاليّ رحمة اللّه عليه: يجوز أن يرى الرّبّ في المنام على صورة جميلة أخرويّة على هذا التّأويل المذكور. قال: لأنّ مثل المرئيّ مثال ما يخلقه اللّه تعالى على قدر استعداد الرّائي و مناسبته، و ليس الحقيقة الذّاتيّة؛ لأنّ اللّه تعالى منزّه عن الصّورة، أو يرى بذاته في الدّنيا كرؤية النّبيّ ٦ و على هذا القياس يجوز أن يرى في صورة مختلفة على قدر مناسبة استعداد الرّائي، و لا يرى الحقيقة المحمّديّة إلّا الوارث الكامل في عمله و علمه و حاله و بصيرته، ظاهرا و باطنا، لا في حاله. و كذا في شرح المسلم: يجوز رؤية اللّه تعالى في الصّورة البشريّة النّورانيّة على التّأويل المذكور. و القياس على تجلّي كلّ صفة على هذا النّهج كما
[١] - لم أقف عليه.
[٢] - رواه الترمذي( ٢٥٣٩).
[٣] - تقدّم تخريجه.