سر الأسرار و مظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار - الجيلاني، عبد القادر - الصفحة ٥٣ - الفصل الثاني و العشرون في بيان الوقعات في المنام و السنة
و البصيرة. كما قال اللّه تعالى: ... أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَ مَنِ اتَّبَعَنِي ...
[يوسف: الآية ١٠٨].
فلا يتمثّل الشّيطان بهذه الأنوار اللّطيفة كلّها.
قال صاحب المظهر: هذا ليس للاختصاص بالنّبيّ ٦، بل لا يتمثّل بكلّ ما هو مظهر الرّحمة و اللّطف و الهداية كجميع الأنبياء عليهم الصّلاة و السّلام و الأولياء و الكعبة و الشّمس و القمر و السّحاب الأبيض و المصحف و أمثال ذلك لأنّ الشّيطان مظهر القهر، فلا يظهر إلّا في صورة الاسم المضلّ فمن كان مظهر للاسم الهادي كيف يظهر بصورته، فالضّد لا يظهر بصورة الضّد لما بينهما من التّنافر و البعد، و ليميّز الحقّ و الباطل كما قال اللّه تعالى: ... كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَ الْباطِلَ ... [الرّعد: الآية ١٧].
و أمّا تمثّله يكون في صورة الرّبوبيّة، و دعوى الرّبوبيّة يجيء منه لأنّ صفة اللّه جلال و جمال، و الشّيطان يتمثّل بصفة الجلال لأنّه مظهر القهر فظهور تمثّل ربوبيّته، و دعواه من اسم المضلّ فقط كما مرّ، و لا يظهر في صورة اسم الجامع لما فيه من معنى الهداية، و فيه كلام كثير يطول شرحه و قوله تعالى: ... عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَ مَنِ اتَّبَعَنِي ... [يوسف: الآية ١٠٨] إشارة إلى الوارث الكامل المرشد- أي: الإرشاد بعدي لمن له بصيرة باطنة مثل بصيرتي من وجه- و المراد منه الولاية الكاملة كما أشار إليه بقوله: ... وَلِيًّا مُرْشِداً [الكهف: الآية ١٧].
ثمّ اعلم أنّ الرّؤيا على نوعين: آفاقي، و أنفسي. و كلّ واحد منهما على نوعين.
فالأنفسي: إمّا من الأخلاق الحميدة أو الذّميمة. فالحميدة مثل رؤية الجنان و نعيمها، و مثّل الحور و القصور و الغلمان و الصّحراء النّورانيّ الأبيض، و مثل الشّمس و القمر و النّجوم و ما أشبه ذلك متعلّق بالقلب.
و أمّا ما يتعلّق بالنّفس المطمئنة مثل مأكول اللّحم من الحيوانات و الطّيور؛ لأنّ معيشة المطمئنة في الجنّة تكون بهذه الأنواع كشويّ الغنم و الطّيور. و أمّا البقر فهو آت من الجنّة لآدم عليه الصّلاة و السّلام لأجل زراعته في الدّنيا. و الإبل أيضا منها لأجل سفر كعبة الظّاهر و الباطن.