سر الأسرار و مظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار - الجيلاني، عبد القادر - الصفحة ٤٩ - الفصل العشرون في بيان الخلوة و العزلة
اللّه عليه و آله و سلّم: «سلامة الإنسان من قبل اللّسان»[١] و كفّ عينيه عن الخيانة و النّظر إلى الحرام و كذا كفّ أذنيه و يديه و رجليه كما قال رسول اللّه ٦: «العينان تزنيان ...»[٢] الحديث، و يحصل من كلّ زنى من هذه الأعضاء شخص قبيح في صورة خبيثة يقوم معه يوم القيامة، و يشهد عليه عند اللّه تعالى، و يأخذ صاحبه فيعذّبه في النّار، فإذا تاب منه و حبس نفسه- كما قال اللّه تعالى: ... وَ نَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى (٤١) [النّازعات: الآيتان ٤٠، ٤١] تبدّل صورته الخبيثة إلى صورة أمرد مليح، و يأخذ صاحبه إلى الجنّة، و ينجو من شرّه، فكأن الخلوة حصّنته من المعاصي، فيبقى عمله صالحا، و يكون محسنا كما قال اللّه تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ [التّوبة: الآية ١٢٠]، و قال اللّه تعالى: إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [الأعراف: الآية ٥٦]، و قال اللّه تعالى: ... فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً ...
[الكهف: الآية ١١٠].
و أمّا الخلوة الباطنة: أن لا يدخل في قلبه من التفكّرات النّفسانيّة و الشّيطانيّة مثل محبّة المأكولات و المشروبات، و مثل محبّة الأهل و العيال، و مثل محبّة الحيوانات و الرّياء و السّمعة و الشّهرة كما قال رسول اللّه ٦: «الشّهرة آفة و كلّ يتمنّاها، و الخمول راحة و كلّ يتوقّاها»[٣] و لا يدخل في قلبه باختياره مثل الكبر و العجب و البخل و غير ذلك من الذّمائم، فإذا دخل في قلب الخلوتي من هذه الذّمائم فسدت خلوته و قلبه، و فسد ما في قلبه من الأعمال الصّالحة و الإحسان، فبقي القلب بلا منفعة كما قال اللّه تعالى: ... إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ [يونس: الآية ٨١]، فكلّ من كان فيه من هذه المفسدات فهو من المفسدين، و إن كان في الظّاهر صورة الصّالحين كما قال رسول اللّه ٦: «الغضب يفسد الإيمان كما يفسد الخلّ العسل»[٤]. و كذلك قال النّبيّ ٦:
«الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النّار الحطب»[٥]. و قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه
[١] - لم أقف عليه، و انظر: الصمت لابن أبي الدنيا( ص ١٠، ١٣).
[٢] - تقدّم تخريجه.
[٣] - أورده السخاوي في المقاصد الحسنة( ٤٥٨)، و كشف الخفاء للعجلوني( ١/ ٤٦٠).
[٤] - أورده الغزالي في إحياء علوم الدين( ٣/ ١٦٥)، و العراقي في المغني( ٣/ ١٦٥).
[٥] - رواه أبو داود( ٤٩٠٣)، و ابن ماجه( ٤٢١٠)، و أوردناه في كتابنا« أحاديث مشهورة لكنها لا تصح» طبع بالمكتب الإسلامي العربي.