سر الأسرار و مظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار - الجيلاني، عبد القادر - الصفحة ٤٥٠ - الباب الثاني في حاله و طريقته
حقيقة الطور هو الحد بين الشيئين و القدر كما في القاموس و الناسوت الجسم و الملكوت عالم الغيب و الجبروت البرزخ و اللاهوت الروح و من جملة الملكوت القلب، كما قاله حجة الإسلام في الأحياء و القلب هو المراد بالملكوت هنا: أي أموره المعنوية فهي التي من عالم الغيب لا جرمه الحسي فإنه من عالم الملك و الشهادة.
و نسقه شرح هاته الجمل الثلاث أن المكلف مطلوب بالتقوى، و هي اجتناب المنهيات و امتثال المأمورات ظاهرا و باطنا.
فالأقسام أربعة فالاجتناب و الامتثال الظاهريان اللذان محلهما الجسم من متعلقات الشريعة و الباطنيان اللذان محلهما القلب من متعلقات الطريقة و بسلمهما يرتقى إلى الحقيقة، و هي الرتبة السنية، المخطوبة لكل ذي همة عليه، فالإنسان يتعلم أولا مسائل العبادات و لوازمه من علم الحلال و الحرام من وعاة الشريعة، و يعمل بذلك أمرا و نهيا و هذا هو الطور الأول.
ثم يلتفت إلى تخلية قلبه من الرذائل، و تخليته بالفضائل و ذلك هما الاجتناب و الامتثال الباطنيان، و هي خدمة الطريقة التي بها يتهيأ القلب إلى هبوب النفحات و تلقي الواردات، و رفع الحجب و الاطلاع على عجائب البرزخ و غير ذلك و هذا الطور الثاني.
و منه ينفخ له الباب فتنطلق روحه سارحة في رياض البرزخ جانية من ثماره حيث اجتهد حين خدمة الطريق في تربيتها و إجادة تغذيتها؛ لأن الاعتناء الأكبر عند أهل هذا الشأن بغذاء الروح بالأذكار و الدعوات و الأوراد و أنواع القربات، و قد كمل هذا السالك بكمال روحه و أصبح محصلا من عجائب المواهب ما يقصر عن وصفه اللسان و هذا هو الطور الثالث.
و من أحرقت بدايته أشرقت نهايته، قال الشيخ مصطفى باش تارزي في كتاب الرحمانية: الشريعة إقامة البدن بوظائف العبودية، و الطريقة: إقامة القلب بحقوق الألوهية، و الحقيقة: مشاهدة الربوبية، فالشريعة و الطريقة مجاهدة، و الحقيقة مراقبة و مشاهدة، و لا تباين بينها إذ الطريق إلى اللّه تعالى لها ظاهر و باطن، فظاهرها الشريعة و باطنها الحقيقة فبطون الحقيقة في الشريعة كبطون الزبد في لبنه، و الكنز في معدنه، فبدون خض اللبن أو حفر المعدن لا تظفر من اللبن بزبده، و لا من المعدن بكنزه. اه.