سر الأسرار و مظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار - الجيلاني، عبد القادر - الصفحة ٤٤ - الفصل السابع عشر في بيان الصوم الشريعة و الطريقة
الفصل السّابع عشر في بيان الصّوم الشّريعة و الطّريقة
صوم الشّريعة: أن يمسك عن المأكولات و المشروبات، و عن وقاع النّساء في النّهار.
و أمّا صوم الطّريقة: فهو أن يمسك عن جميع أعضائه المحرّمات و المناهي و الذّمائم مثل العجب و الكبر و البخل و غير ذلك، ظاهرا و باطنا، فكلّها يبطل صوم الطّريقة.
فصوم الشّريعة مؤقّت: و صوم الطّريقة مؤبّد في جميع عمره، فلذلك قال رسول اللّه ٦: «ربّ صائم ليس له من صيامه إلّا الجوع ...»[١]، فلذلك قيل: كم من صائم مفطر و كم من مفطر صائم- أي: يمسك أعضاءه عن الآثام، و إيذاء النّاس بالجوارح كما قال اللّه تعالى في الحديث القدسيّ:
«إنّ الصّوم لي و أنا أجزي به»[٢]. و قال اللّه تعالى في الحديث القدسيّ: «يصير للصّائم فرحتان: فرحة عند الإفطار، و فرحة عند رؤية جمالي»[٣].
قال أهل الشّريعة: المراد من الإفطار الأكل عند غروب الشّمس، و من الرّؤية رؤية الهلال في ليلة العيد. و قال أهل الطّريقة: الإفطار عند دخول الجنّة بالأكل ممّا فيها من النّعيم، و فرحة عند الرّؤية- أي: عند لقاء اللّه يوم القيامة- بنظر السّرّ معاينة.
و أمّا صوم الحقيقة: فهو إمساك الفؤاد عن محبّة ما سوى اللّه تعالى، و إمساك السّرّ عن محبّة مشاهدة غير اللّه كما قال اللّه تعالى في الحديث القدسيّ: «الإنسان سرّي و أنا سرّه»[٤] و السّرّ من نور اللّه تعالى فلا يميل إلى غير اللّه تعالى، و ليس له سواه محبوب و مرغوب و مطلوب في الدّنيا و الآخرة، فإذا وقعت فيه محبّة غير اللّه فسد صوم الحقيقة، فله قضاء صومه، و هو أن يرجع إلى اللّه تعالى و لقائه، و جزاء هذا الصّوم لقاء اللّه تعالى في الآخرة.
[١] - رواه أحمد في المسند( ٢/ ٤٤١)، و ابن أبي عاصم في الزهد( ص ٤٥)، و القضاعي في الشهاب( ٢/ ٣٠٩).
[٢] - رواه البخاري( ٦/ ٢٧٢٣)، و مسلم( ٢/ ٨٠٧).
[٣] - رواه البخاري( ٦/ ٢٧٢٣)، و مسلم( ٢/ ٨٠٧)، و أحمد في المسند( ١/ ٤٤٦)،( ٢/ ٣٤٥).
[٤] - لم أقف عليه.