سر الأسرار و مظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار - الجيلاني، عبد القادر - الصفحة ٤٣٨ - الباب الأول في نسب الشيخ و عشيرته
- و في رواية لما قالوا للإمام الجيلي لقد بالغت في القول له، قال: إنما هو نور جلي ظلمته. اه. و كلّ ميسر لما خلق له.
ثم قال المعترض: إن هذا الكتاب أعني «الفتح [١٨/ ق] الرباني» كتب فيه العفيف على لسان الشيخ عبد القادر بأساطير الأولين و لقالق المتخيلين ما لا يعد مثل قوله: يا غلام إذا مت تراني و تعرفني عن يمينك و شمالك أحمل و أدفع عنك و أسأل إلى متى أنت مشرك بالخلق متكل عليه، يجب أن تعلم أن أحدا منهم لا ينفعك و لا يضرك فقيرهم و غنيهم عزيزهم و ذليلهم، عليك باللّه عزّ و جلّ لا تتكل على الخلق.
أقول أي يقول المعترض: هل يمكن دخول حسن السبك في كلمات هذه العبارة و هل لمعانيها من ربط لفظي أو معنوي يقول به الوعاظ أو خدام الأولياء فضلا عن مثل الشيخ عبد القادر على أنه رجل اشتهر علمه و كماله، و أهم من هذه الكلمات و أمثالها إلّا من تشدق الجاهلين و حاشا الشيخ و أمثاله من القول بمثل هذه الخرافات المكفرة التي كادت أن تلحق بسفسطة قدماء اليونان.
أقول: معنى ذلك كله ظاهر و هو في غاية الاستقامة مكسو بنور قائله، فقوله رضي اللّه عنه: إذا مت يصح فتح تائه على الخطاب مشيرا إلى أن مقامه محجوب في الدنيا عن اللاهين الغائبين في نوم الغفلة و الناس نيام، فإذا ماتوا انتهبوا و لا يلزم من رؤية ذات الولي في هذه الدار رؤية خصوصياته كما يذاق من قوله تعالى: وَ تَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَ هُمْ لا يُبْصِرُونَ [الأعراف: الآية ١٩٨]، و يصح ضم تائه مشيرا إلى أنه رضي اللّه عنه ممن يكون حيّا في قبره نافعا لعباد اللّه، و لا غرابة في ذلك من أكابر الأولياء كما ذكره جماعة محققون منهم القشيري و ابن عربي و الشعراني، و شيخ الإسلام أحمد الحموي في كتابه (نفحات القرب و الاتصال بإثبات التصرف لأولياء اللّه و لكرامات بعد الانتقال)، و الشيخ إسماعيل التميمي في المنح الإلهية و غيرهم مما يطول بنا تعدادهم.
و الدليل في المسألة واضح و هو قوله تعالى: وَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) [آل عمران: الآية ١٦٩] فهؤلاء أهل الجهاد الأصغر فكيف بأهل الجهاد الأكبر، و هو جهاد النفس و حديثه مشهور و هو قوله صلى اللّه عليه و سلم: «رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر»[١]. رواه البيهقي و في
[١] - أورده العجلوني في كشف الخفاء( ١/ ٥١١، ٥١٢).