سر الأسرار و مظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار - الجيلاني، عبد القادر - الصفحة ٢٨ - الفصل السابع في بيان الأذكار
و الفاء: و هو الفناء في اللّه- يعني عن غير اللّه تعالى- إذا فنيت الصّفات البشريّة بقيت الصّفات الأحديّة و هي لا تفنى و لا تبغي و لا تزول فبقي العبد الفاني مع الرّبّ الباقي و مرضاته، و بقي قلب الفاني مع سرّ الباقي و نظره كما قال اللّه تعالى: ... كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ... [القصص: الآية ٨٨] يحتمل أن يؤوّل بالرّضاء- أي: إلى ما يوجّه إليه من الأعمال الصّالحة لوجهه و رضائه، فيبقى المرضيّ مع الرّاضي.
و نتيجة العمل الصّالح حياة حقيقة الإنسان المسمّى بطفل المعاني كما قال اللّه تعالى: ... إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ... [فاطر: الآية ١٠].
فكلّ عمل يكون لغير اللّه تعالى فيه شركة فهو هالك لعامله، فإذا تمّ الفناء فيه حصل البقاء في عالم القربة كما قال اللّه تعالى: فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥) [القمر: الآية ٥٥] و هو مقام الأنبياء و الأولياء في عالم اللّاهوت كما قال اللّه تعالى: وَ كُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ [التّوبة: الآية ١١٩].
فالحادث إذا اقترن بالقديم لم يبق له وجود كما قيل بيت: [الوافر]
|
صفات الذّات و الأفعال طرّا |
قديمات مصونات الزّوال |
|
فإذا تمّ الفناء بقي الصّوفي مع الحقّ أبدا كما قال اللّه تعالى: أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ [البقرة: الآية ٨٢].
الفصل السابع في بيان الأذكار
فقد هدى اللّه الذّاكرين بقوله تعالى: وَ اذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ [البقرة: الآية ١٩٨] إلى مراتب ذكركم، و قال النّبيّ ٦: «أفضل ما أقول أنا و ما قاله النّبيّون من قبلي لا إله إلّا اللّه»[١].
فلكلّ مقام مرتبة خاصّة، إمّا جهرا أو خفية، فالأول هداهم إلى ذكر اللّسان، ثمّ إلى ذكر النّفس، ثمّ إلى ذكر القلب، ثمّ إلى ذكر الرّوح، ثمّ إلى ذكر السّرّ، ثمّ إلى ذكر الخفيّ، ثم إلى ذكر أخفى الخفيّ.
فأمّا ذكر اللّسان: فكأنه بذلك يذكّر القلب ما نسي من ذكر اللّه تعالى.
[١] - رواه الترمذي( ٣٥٨٥) و مالك في الموطأ( ٣٢) بنحوه.