سر الأسرار و مظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار - الجيلاني، عبد القادر - الصفحة ١١٢ - المقالة الخامسة و الأربعون في النعمة و الابتلاء
و الرخاء بالبأساء و الضراء. و شكر نعمة العافية في الجوارح و الأعضاء في الاستعانة بها على الطاعات و الكف عن المحارم و السيئات و المعاصي و الآثام، فذلك قيد النعم عن الرحلة و الذهاب، و سقي شجرتها و تنمية أغصانها و أوراقها، و تحسين ثمرتها. حلاوة طعمها، و سلامة عاقبتها، و لذة مضغها، و سهولة بلعها، و تعقب عافيتها و ريعها في الجسد، ثم ظهور بركتها على الجوارح من أنواع الطاعات و القربات و الأذكار، ثم دخول العبد بعد ذلك في الآخرة في رحمة اللّه عزّ و جلّ.
و الخلود في الجنان مع النبيين- و الصديقين و الشهداء و الصالحين و حسن أولئك رفيقا- فإن لم يفعل ذلك و اغتر بما ظهر من زينة الدنيا و بما ذاق من لذتها، و اطمأن إلى بريق سرابها و ما لاح من بريقها و ما هب من نسيم أول نهار قيظها، و نعومة جلود حياتها و عقاربها، و غفل و عمي عن سمومها القاتلة المودعة في أعماقها، و مكامنها و مصايدها المنصوبة لأخذه و حبسه و هلاكه، فليهنأ للردى و ليستبش بالعطب و الفقر العاجل، مع الذل و الهوان في الدنيا و العذاب الآجل في النار و لظى.
و أما المبتلي. فتارة يبتلى عقوبة و مقابلة لجريمة ارتكبها و معصية اقترفها و أخرى يبتلى تكفيرا و تمحيصا، و أخرى يبتلى لارتفاع الدرجات و تبليغ المنازل العاليات ليلحق بأولي العلم من أهل الحالات و المقامات، مما سبقت لهم عناية من رب الخليقة و البريات، و سيرهم مولاهم ميادين البليات على مطايا الرفق و الألطاف، و روحهم بنسيم النظرات و اللحظات في الحركات و السكنات، إذ لم يكن ابتلاهم للإهلاك و الإهواء في الدركات، و لكن اختبرهم بها للاصطفاء و الاجتباء و استخراج بها منهم حقيقة الإيمان و صفاها و ميزها من الشرك و الدعاوى و النفاق، و نحلهم بها أنواع العلوم و الأسرار و الأنوار، فجعلهم من الخلص الخواص، ائتمنهم على أسراره، و ارتضاهم لمجالسته، قال النبي صلى اللّه عليه و سلم: «الفقراء الصبراء جلساء الرحمن يوم القيامة»[١] دنيا و أخرى في الدنيا بقلوبهم و في الآخرة بأجسادهم، فكانت البلايا مطهرة لقلوبهم من دون الشرك، و التعلق بالخلق و الأسباب و الأماني و الإرادات، و ذوابة لها و سباكة من الدعاوى و الهوسات، و طلب الأعواض بالطاعات من الدرجات و المنازل العاليات في الآخرة في الفردوس و الجنات.
[١] - لم أقف عليه.