سر الأسرار و مظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار - الجيلاني، عبد القادر - الصفحة ١٠٨ - المقالة الثانية و الأربعون في بيان حالتي النفس
و ألسنتهم على عرضه، و إن طلب الإقالة مما قد أدخل فيه من الحالة الأولى قبل الاجتباء لم يقل، و إن طلب الرضا أو الطيبة و التنعم بما به من البلاء لم يعط فحينئذ تأخذ النفس في الذوبان و الهوى في الزوال و الإرادة و الأماني في الرحيل و الأكوان في التلاشي، فيدام له ذلك بل يزداد تشديدا و عصرا و تأكيدا، حتى إذا فني العبد من الأخلاق الإنسانية و الصفات البشرية و بقي روحا فقط يسمع نداء في باطنه ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَ شَرابٌ (٤٢) [ص: الآية ٤٢] كما قيل لسيدنا أيوب ٧، فيمطر اللّه عزّ و جلّ في قلبه بحار رحمته و رأفته و لطفه و منته، و يحييه بروحه و يطيبه بمعرفته و دقائق علومه، و يفتح عليه أبواب رحمته و نعمته و دلاله، و أطلق إليه الأيدي بالبذل و العطاء و الخدمة في سائر الأحوال و الألسن بالحمد و الثناء، و الذكر الطيب في جميع المحال، و الأرجل بالترحال، و ذلل له و سخر له الملوك و الأرباب، و أسبغ عليه نعمه ظاهرة و باطنة، تربيته ظاهرة بخلقه و نعمه، و يستأثره تربيته باطنة بلطفه و كرمه، و أدام له ذلك إلى اللقاء، ثم يدخله فيما لا عين رأت و لا أذن سمعت و لا خطر على قلب بشر، كما قال جلّ و علا: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٧) [السّجدة: الآية ١٧].
المقالة الثانية و الأربعون في بيان حالتي النفس
قال رضي اللّه عنه و أرضاه: النفس لها حالتان لا ثالث لهما حالة عافية، و حالة بلاء، فإذا كانت في بلاء فالجزع و الشكوى و السخط و الاعتراض و التهمة للحق جل و علا لا صبر و لا رضى و لا موافقة، بل سوء الأدب و الشرك بالحق و الأسباب و الكفر، و إذا كانت في عافية فالشره و البطر و اتباع الشهوات و اللذات، كلما نالت شهوة طلبت أخرى، و استحقرت ما عندها من النعم من مأكول و مشروب و ملبوس و منكوح و مسكون و مركوب، فتخرج لكل واحدة من هذه النعم عيوبا و نقصا، و تطلب أعلى منها و أسنى مما لم يقسم لها، و تعرض عما قسم لها، فتوقع الإنسان في تعب طويل، و لا ترضى بما في يديها و ما قسم لها، فيرتكب الغمرات و يخوض المهالك في تعب طويل لا غاية له و لا منتهى في الدنيا، ثم في العقبى، كما قيل: إن من أشد العقوبات طلب ما لا يقسم. و إذا كانت في بلاء لا تتمنى سوى انكشافها و تنسى كل نعيم و شهوة و لذة و لا تطلب شيئا منها، فإذا عوفيت منها