سر الأسرار و مظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار - الجيلاني، عبد القادر - الصفحة ١٠٢ - المقالة السادسة و الثلاثون في بيان الدنيا و الآخرة و ما ينبغي أن يعمل فيهما
المقالة السادسة و الثلاثون في بيان الدنيا و الآخرة و ما ينبغي أن يعمل فيهما
قال رضي اللّه عنه و أرضاه: اجعل آخرتك رأس مالك و دنياك ربحه، و اصرف زمانك أولا في تحصيل آخرتك. ثم إن فضل من زمانك شيء اصرفه في دنياك و في طلب معاشك، و لا تجعل دنياك رأس مالك و آخرتك ربحه. ثم إن فضل من الزمان فضلة صرفتها في آخرتك تقضي فيها الصلوات تسبكها سبيكة واحدة ساقطة الأركان، مختلفة الواجهات من غير ركوع و سجود و طمأنينة بين الأركان، أو يلحقك التعب و الإعياء فتنام عن القضاء جملة، جيفة في الليل بطالا في النهار، تابعا لنفسك و هواك و شيطانك، و بائعا آخرتك بدنياك عند النفس و مطيتها، أمرت بركوبها و تهذيبها و رياضتها و السلوك بها في سبيل السلامة و هي طرفه الآخرة و طاعة مولاها عزّ و جلّ فظلمتها بقبولك منها و سلمت زمامها إليها و تبعتها في شهواتها و لذاتها و موافقتها و شيطانها و هواها ففاتك خير الدنيا و الآخرة و خسرتهما فدخلت القيامة أفلس الناس و أخسرهم دينا و دنيا، و ما وصلت بمتابعتها إلى أكثر من قسمك من دنياك، و لو سلكت بها طريق الآخرة و جعلتها رأس مالك ربحت الدنيا و الآخرة و وصل إليك قسمك من الدنيا هنيئا مريئا و أنت مصون مكرم كما قال النبي صلى اللّه عليه و سلم: «إن اللّه يعطي الدنيا على نية الآخرة و لا يعطي الآخرة على نية الدنيا»[١]. و كيف لا يكون كذلك و نية الآخرة هي طاعة اللّه لأن النية روح العبادات و ذاتها.
و إذا أطعت اللّه بزهدك في الدنيا أو طلبك دار الآخرة كنت من خواص اللّه عزّ و جلّ و أهل طاعته و محبته، و حصلت لك الآخرة و هي الجنة و جوار اللّه عزّ و جلّ و خدمتك الدنيا فيأتيك قسمك الذي قدر لك منها، إذ الكل تبع لخالقها و مولاها و هو اللّه عزّ و جلّ، و إن اشتغلت بالدنيا و أعرضت عن الآخرة غضب الرب عليك ففاتتك الآخرة و تعاصت الدنيا عليك و تعسرت و أتعبتك في إيصال قسمك إليك لغضب اللّه عزّ و جلّ عليك لأنها مملوكته، تهين من عصاه و تكرم من أطاعه، فيتحقق حينئذ قوله صلى اللّه عليه و سلم:
«الدنيا و الآخرة ضرتان، إن أرضيت إحداهما أسخطت عليك الأخرى»[٢]. قال تعالى: مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ [آل عمران: الآية
[١] - رواه القضاعي في مسند الشهاب( ٢/ ١٦٤).
[٢] - لم أقف عليه.