التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢١٤ - معارف سامية و شرائع راقية
ذاته الإنسانية الرفيعة التي خلقه اللّه تعالى عليها حسب فطرته الأوّلية.
إنّ نزعات القومية و الوطنية و اللونية و اللسانية- فضلا عن القبائلية و البلدية- كانت قيودا لا يستطيع الإنسان الانفلات منها ما دام رهن ميوله و اتّجاهاته البشرية السافلة.
*** نعم، كانت الشرائع السماوية هي المتحرّرة عن كلّ هذه القيود، و من ثمّ جاءت صافية و نقية، و نزيهة عن كلّ دنس و خسيسة بشرية، ممّا افتقدته الإنسانية منذ قرون، حيث جاء القرآن الكريم بشرائعه طاهرة زكية.
كان الانسان في عهد نزول القرآن يعيش في ظلمات الغيّ و الجهالة، و في لفيف من أنظمة كانت صبغتها الظلم و العتوّ على صنوف الإنسان العائشة تحت سيطرة أقوام مستكبرين و مستهترين بمبادئ الإنسانية الكريمة. و كانت القوانين الحاكمة على البشرية حينذاك ضامنة للمستعلين في الأرض مصالحهم دون المستضعفين- و هم أكثر سكّان هذه البسيطة المظلومون- قد هضم حقّهم و سحقت كرامتهم و ربطوا ربط المواشي و الأغنام.
*** في هذا الجوّ المظلم و البيئة الحالكة جاء القرآن الكريم بمشاعل وهّاجة و مصابيح وضّاءة، تنقشع عن البشرية سحب الظلام و تنكشف على الإنسانية كرامة ذاته الأصيلة. فقد جاء بأنظمة و قوانين ترفع بالإنسان إلى كرامته العليا و تسعده في الحياة سعادة شاملة و كافلة لجميع البشرية العائشة على الأرض، على حدّ سواء، لا ميز لقبيلة على اخرى، و لا لأهل بلد على آخرين، و لا للغة دون اخرى، كلّهم بنو آدم، و آدم من تراب يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَ أُنْثى وَ جَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَ قَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ[١].
[١] الحجرات: ١٣.