التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٥ - هل القرآن مشتمل على جميع العلوم؟!
العزائم، و تضاءل أهل العلم، و ضعفوا عن حمل ما حمله الصحابة و التابعون من علومه و سائر فنونه، فنوّعوا علومه، و قامت كلّ طائفة بفنّ من فنونه، فاعتنى قوم بضبط لغاته و تحرير كلماته و تعدادها و إلى أمثال ذلك، من غير تعرّض لمعانيه و لا تدبّر لما اودع فيه، و اعتنى النحاة بالمعرب منه و المبني، و المفسرون بألفاظه، و الاصوليّون بما فيه من الأدلّة، و تأمّلت طائفة معاني خطابه، و أحكمت طائفة صحيح النظر و صادق الفكر فيما فيه من الحلال و الحرام و سائر الأحكام، و تلمّحت طائفة ما فيه من قصص و أخبار لامم خالية، و تنبّه آخرون لما فيه من حكم و أمثال و مواعظ ... و إلى أمثال ذلك من إشارات و لطائف و دلالات.
قال: و قد احتوى القرآن على علوم اخرى من علوم الأوائل، مثل الطبّ و الهيأة و الهندسة و الجبر و المقابلة و النجامة و سائر الحرف و الصناعات.
قال: أمّا الطبّ فمداره على حفظ نظام الصحّة و استحكام القوّة، و ذلك إنّما يكون باعتدال المزاج بتفاعل الكيفيّات المتضادّة، و قد جمع ذلك في آية واحدة، و هي قوله تعالى: وَ كانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً[١]. و عرّفنا فيه بما يعيد نظام الصحّة بعد اختلاله، و حدوث الشفاء للبدن بعد اعتلاله في قوله تعالى: شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ[٢]. ثم زاد على طبّ الأجسام بطبّ القلوب و شفاء الصدور.
و أمّا الهيأة ففي تضاعيف سوره، من الآيات التي ذكرت ملكوت السماوات و الأرض. و ما بثّ في العالم العلوي و السفلي من المخلوقات.
و أمّا الهندسة ففي قوله: انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ[٣].
و أمّا الجبر و المقابلة فقد قيل: إنّ أوائل السور فيها ذكر مدد و أعوام و أيّام لتواريخ امم سالفة، و إنّ فيها تاريخ بقاء هذه الامّة، و تاريخ مدّة أيّام الدنيا، و ما مضى و ما بقي، مضروب بعضها في بعض.
[١] الفرقان: ٦٧.
[٢] النحل: ٦٩.
[٣] المرسلات: ٣٠.